المطلب الأول
التفسير العضوي لعوامل السلوك الإجرامي
أولا: عرض أصول النظرية:
ظهر عدد من البحوث العلمية تطورت أخيرا حتى صارت مذاهب تسمى"نظريات علمية"وهي تحاول جميعا تفسير السلوك الإجرامي بأنه أثر مباشر أو غير مباشر لتكوينات عضوية غير سوية.
وكان من أشهر هذه البحوث ما قدمه أقطاب المدرسة الوضعية الإيطالية التي ظهرت أفكراها في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، وكان من أشهرها الطبيب الإيطالي"شيزاري لمبروزو" [1] وقد درس هذا وأمثاله انعكاسات التكوين العضوي على السلوك واستقر رأيهم بعد تأمل وتحر- على أن الإنسان المجرم هو شخص يتميز بصفات جسمانية تجعله شبيها بالإنسان القديم الذي عاش متوحشا في العصور الغابرة، فهو صورة مرتدة إلى الإنسان البدائي يحمل صفاته ويحمل طباعه [2] .
وقد كان لمبروزو أكثر الباحثين في هذا الميدان تفصيلا وبيانا لتلك الصفات الجسمانية، وكان أبرزها تلك الصفة التي وجدها عند تشريح جثة أحد المجرمين العتاه إذ وجد فراغا في مؤخرة الجبهة يشبه ذلك الذي يوجد لدى القردة، وقد أطلق لمبروزو على كل تلك الصفات اسم"وصمات الانحلال" [3] .
(1) كان لمبروزو"1835 - 1909"طبيبا في الجيش الإيطالي، وقد ساعده علمه هذا على القيام بعدد من الأبحاث على عدد من المجرمين الأسوياء والشواذ، الأحياء منهم والأموات- فقد بحث نحو من 383 جمجمة للمجرمين بعد موتهم، وفحص نحو من ستة آلاف من المجرمين الأحياء فخلص من كل ذلك إلى وضع نظريته المشهورة عن الإنسان المجرم.
"يراجع أستاذنا الدكتور/ حسنين عبيد، الوجيز في علم الإجرام وعلم العقاب ص36، 37 والدكتور/ عبد الأحد جمال الدين: الاتجاهات الانتروبولوجية في تفسير الظاهرة الإجرامية، بحث منشور في مجلة العلوم القانونية والاقتصادية، السنة الحادة عشرة، العدد الثاني، يوليو 1969 ص712)."
(2) يراجع الموضوع بتوسع في مؤلف على الشرفي، الباعث وأثره في المسئولية الجنائية ص90 وما بعدها.
(3) يراجع في بيان تلك الصفات: أستاذنا الدكتور/ محمود نجيب حسني، دروس في الإجرام، ص30 والدكتور/ عرض محمد، مبادئ علم الإجرام ص78، 79 والدكتور/ جلال ثروت، الظاهرة الإجرامية ص75 والدكتور/ أحمد خليفة، مقدمة في دراسة السلوك الإجرامي ج1 ص47 والدكتور/ عبد الأحد جمال الدين، المرجع السابق ص712، 714. وأستاذنا الدكتور/ حسنين عبيد المرجع السابق ص37