ونعتقد بأنه قد آن الأوان لإجراء دراسات جادة لعوامل السلوك الإجرامي على ضوء مبادئ الشريعة الإسلامية وقواعد أحكامها وأصول منهاجها. وذلك للأسباب التالية:
1 -أن المنهج الإسلامي قد جعل قضية السلوك من أشد القضايا أهمية، إذ أنها محرر نشاطه، وميدان عمله حتى لكان ذلك هو الدين كله أو الإسلام كله، إذ جاء في الحديث"المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" [1] .
2 -إن التوجيهات الجادة نحو العودة إلى قواعد الإسلام وأحكامه قد جعلت الاهتمام عظيما بتلمس منهج الشريعة الإسلامية في كل أمر من أمور الحياة ومن أعظم تلك الأمور أمر السلوك الإجرامي وعوامل وقوعه.
3 -وأخيرا فإن المنهج الإسلامي يقدم معالجة صحيحة، لمشكلة السلوك الإجرامي، بحيث يمكن بناء نظرية متكاملة لحل المشكلة على ضوء ذلك المنهج.
كل ذلك قد جعل الاهتمام شديدا ببيان خطة المنهج الإسلامي في الكشف عن عوامل السلوك الإجرامي وفي برنامجه لقضاء على ذلك السلوك.
ونعتقد بأن الخطوة الأولى في هذا المجال هي وضع تصور أولي -على الأقل- عن المنهجية الإسلامية في البحث عن عوامل السلوك الإجرامي، ثم العمل على بناء نظرية علمية ذات جذور ومرتكزات تتفق مع منهج الإسلام. وهذه النظرية لن تكون في كل جوانبها ابتداعا وابتكارا وإنما هي بناء على ما قدمه المهتمون في هذا الميدان، إن كان فيما قدموه حجة، ثم تصحيحا لما قدمه هؤلاء أن كان لا يستقيم إلا بذلك، ثم إتمام البناء وذلك بسد النقص والقصور.
ولا أدعي أنني في هذه الإشارة السريعة أستطيع أ، أفعل كل ذلك ولكني أردت بهذا مجرد الإشارة إلى أهمية بناء النظرية الإسلامية، ثم أردت الإسهام برسم بعض الخطوط العامة في بناء هذه النظرية، وأخيرا فقد قصدت إلى تنبيه الباحثين إلى هذا الميدان الواسع، لعلهم
(1) وهذا هو لفظ الحديث في صحيح مسلم ج1 ص37.
وفي البخاري عن أبي موسى قال: قالوا يا رسول الله أي الإسلام أفضل قال:"من سلم المسلمون من لسانه ويده".
وجاء في شرح ابن حجر العسقلاني (فتح الباري) أن معنى السؤال هو أي ذوي الإسلام أفضل، فكان الجواب:"من سلم المسلمون ..."
ويؤيد رواية مسلم: أي المسلمين أفضل؟
(يراجع فتح الباري، ج1 ص71، صحيح مسلم ج1 ص37، وفي صحيح مسلم أيضا -ج1 ص73 -: عن أنس رضي الله عنه عن النبي(- صلى الله عليه وسلم -) قال:"لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه".