الصفحة 16 من 17

وقد أفاض بعض العلماء في بيان هذه الصفة فذكر الإمام الدهلوى [1] أن للنفس قوتين هما الملكية والقوة البهيمية، وأن حالهما في الإنسان على وجهين فتارة يجتمعان بالتجاذب وتارة بالتصالح، وفي حالة التجاذب تعمل كل منهما على الاستبداد بالإنسان وتسخيره لمصلحتها، فإذا غلبت أحداهما اضمحل نشاط الأخرى.

وفي حالة التصالح تعملان معا بتعادل فيحصل مزاج معتدل من غير إفراط ولا تفريط، ثم ذكر أن القوة الملكية هي جوهر الفطرة الأصلية التي هي انبثاق من النفحة التي أودعها الله هذا الإنسان فقامت بها آدميته، وأن القوة البهيمية هي الطبع الحيواني القائم على دواعي الأكل والشرب والنكاح، وأن هذا الطبع هو أهم الحجب التي تمنع ظهور الفطرة إذا ما استحكم أمره، ومن ثم فقد يتمخض الإنسان للبهيمية إذا هو أفرط في ابتاع هوى نفسه [2] .

تفاوت دراجات الاستعداد:

بعد التأكيد على أن الطبع البشري يضم استعدادين ينزع كل منهما بالإنسان إلى اتجاه يضاد الآخر، لابد من التأكيد على أن ذلك لا يعني بالضرورة التساوي التام بين الاستعدادين في قوة النزع الخاصة بكل منهما، بل قد يحصل تفاوت واضح فيهما من شخص إلى آخر، ليس ذلك فحسب، بل قد يتسع ذلك التفاوت أو يضيق في الشخص الواحد من وقت إلى آخر. ولا شك

(1) حجة الله البالغة للدهلوى ج1 ص26 ومثله في علوم الدين الغزالي ج3 ص80 وكذا في مدارج السالكين لابن القيم ج1 ص120، 121

(2) حجة الله البالغة ج1 ص56، 57 وإلى مثله أشار الإمام الرازي في رسائل فلسفية (كتاب الطب الروحاني) ص21، 22 ومثله في الذريعة إلى مكارم الشريعة للأصفهاني ص39.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت