أن هناك من العوامل ما يساعد على وجود ذلك التفاوت وما يساعد على اتساعه أو ضيفه. ونرى أن من أبرز تلك العوامل عامل الوراثة، وعامل البيئة، وعامل الثقافة، وغيرها.
ونحن لن نستعرض هذه العوامل هنا وإنما نكتفي بالإشارة إليها داعين إلى دراستها وتأملها بعد التنويه إلى أهميتها ولكن يحسن مع ذلك القول بأن بعض علماء المسلمين قد أشار في دراساته عن النفس والأعضاء إلى ما يمكن اعتباره بداية أو إسهاما في وضع تصور شامل للعوامل التي تساعد على تفاوت الاستعدادات الذاتية لدى الإنسان ومن ذلك ما ذكره الإمام الدهلوى [1] وهو يشير إلى قوتي النفس وهما القوة الملكية والقوة البهيمية إذا قال: أن القوة الثانية"أي البهيمية"تخلق في الناس متفاوتة من حيث القوة والضعف، وأن التدبير المحيط بالإنسان من أكل وشرب وصحة وسقم ونحو ذلك وكذلك العادات والمألوفات كل ذلك يسهم في تحديد درجة القوة البهيمية أو ضعفها أما القوة الملكية، ثم ذكر أن النفس الإنسانية قد تنطلق من أسر البهيمية فتخطف من حيز الملأ الأعلى ما ييسر لها من هيئة النورانية، كما قد تتأثر بالشياطين فتأخذ صفاتهم.
فقد جعل هذا الإمام الجليل المأكل والمشرب والصحة والسقم والعادات ونحوها أمورا تساعد على اتجاه الميل، وتعين أحد الاستعدادين حتى يظهر على الآخر فيسارع المرء إلى أعمال الخير ويبطئ عن الأخرى أو يكون العكس.
وقريبا من ذلك ما أشار إليه الإمام الغزالي إذ ذكر أن لدى الإنسان قوتين تتصارعان هي قوى العقل وقوة الغضب والشهوة، حيث تنزع القوة الأولى بالإنسان إلى الخير، وتنزع به القوة الثانية إلى غير ذلك، وقد تنقاد قوة الشهوة والغضب لقوة العقل فيعينه ذلك على فعل الخير، وقد تستعصى على الانقياد، وعندئذ يستعين العقل بأجناده ومنها العلم والحكمة والتفكير، ويدور الصراع فإن ترك العقل هذه الاستعانة، وسلط على نفسه جند الغضب والشهوة هلك يقينا [2] .
كما أشار آخرون إلى بعض العيوب الجسدية باعتبارها عيوبا تبعث في نفس صاحبها الشعور الدونية، والإحساس بالحقارة فتكون سببا في جرة إلى سبيل الجريمة لمقاومة الشعور بالنقص لديه [3] وتجعل استعداده للانحراف أقوى من استعداده لحسن السلوك وهكذا.
(1) حجة الله البالغة للإمام الدهلوى ج1 ص26، 27.
(2) إحياء علوم الدين ج3 ص6.
(3) نحيل من أراد الاستزادة إلى كتاب على الشرفي، المرجع السابق ص100 وما بعدها.