الصفحة 15 من 17

فإذا استشعر المرء هذه الرقابة [1] واستشعر معها عظيم الجزاء الذي يدخره الله لعباده المستقيمين على أمره، فإنه لابد أن يكف عن الطمع، ويمتنع عن الخروج عن أمر الله سبحانه وتعالى ولابد أن يقبل على فعل الخير والمعروف والإحسان، رجاء الفوز بما عند الله. وهذا هو الأسلوب الأمثل لحل مشكلة الشطط الغريزي، المنبثق عن غريزة حب الذات.

الأصل الثالث: الاستعداد للتأثر:

إن الله قد أودع في الإنسان مجموعة من الاستعدادات، وجعلها جزء من طبيعته، وهذه الاستعدادات ليست إلا قوة سلبية كالأعضاء الحسية تظل واقفة عن العمل رغم وجودها، لا تنطلق حتى يطلقها الإنسان ولا تفعل حتى ينفعل بها وهي على نوعين، أحدهما استعداد لسلوك سبيل الخير، وهو يتجاوب مع مؤثرات الخير، فينشط الأعضاء لتسير في ركابها، والآخر استعداد لسلوك سبيل الشر، فهو يتجاوب مع المؤثرات الداعية إلى هذا السبيل، حتى تنزع بالإنسان إليه، وتسير به نحوه.

وهذا يعني أن الإنسان إذا تعرض لمؤثر من أي نوع مما ذكر فإنه يملك الاستجابة له لوجود ميل ذاتي في أعماقه يتعامل مع ذلك المؤثر. كما أنه إذا تعرض لمؤثرات من كل اتجاه فإنه يتردد في سلوكه بين السبيلين -سبيل الخير وسبيل الشر- فيأتي من الأعمال ما يحمد عليه وما يذم، وذلك بحسب الدواعي والصوارف التي تتجاذبه وتتعامل مع الاستعدادات الفطرية الكامنة فيه. وهذا هو مقتضى قول الحق تبارك وتعالى: (ونَفْسٍ ومَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وتَقْوَاهَا) [2] .

والإلهام يعني هنا الإلزام الفطري القائم على الفطرة والجبلة [3] وذلك لأن الإنسان مخلوق مزدوج الطبيعة، مزدوج الاستعداد فهو في طبيعة تكوينه مخلوق من عنصرين هما طين الأرض ونفحة الله فيه من روحه فجاء من ذلك مزودا باستعدادات متساوية للخير والشر والهدى والضلال [4] وذلك هو أيضا مقتضى قول الله تعالى: (وهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ) [5] .

(1) يشير الباحثون في هذا الصدد إلى أن العلم الحديث قد أثبت بالدليل أن تصرفات الإنسان وأقواله تصور وتسجل على صفحات الأثير، وأن بوسع العلماء التقاط تلك الصور والتسجيلات ولو بعد حين من حدوثها، وذلك أمر يضاعف الإحساس بشدة الرقابة وأحكامها (جاء ذلك في كتاب"الإسلام يتحدى"لوحيد الدين خان، أشار إليه أستاذنا الدكتور/ يوسف قاسم"مبادئ الفقه الإسلامي"ص40)

(2) سورة الشمس الآيات رقم 7،8.

(3) تفسير القرآن الكريم للخطيب الشربيني ج4 ص542 والبحر المحيط ج8 ص481 وتفسير ابن كثير ج4 ص517.

(4) الأستاذ المرحوم سيد قطب، في ظلال القرآن، دار الشروق ج6 ص3917. وقد ذكر الشيخ أبو القاسم الأصفهاني أن الإنسان مركب من نزعتين نزعة علوية تجعله شبيها بالملائكة ونزعة سفلية تجعله شبيها بالبهائم فهو وسط بين جوهرين، ومن ثم كان أهلا للنزوع إلى أي من الاتجاهين ثم أشار إلى الحديث المروي عن رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) "أن للشيطان لمه بابن آدم وللملك لمه فإما لمه الملك فوعد بالخير وتصديق بالحق، وأما لمه الشيطان فأيعاد بالشر وتكذيب بالحق، ثم قرأ قول الله تعالى (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ ويَامُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ واللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وفَضْلًا) سورة البقرة الآية رقم 268، يراجع كتاب الذريعة إلى مكارم الشريعة للشيخ الراغب الأصفهاني ص30، 46."

والحديث السابق أخرجه الترمذي والنسائي وابن حبان عن ابن مسعود يراجع الجامع الصغير للأسيوطي ج1 ص97 ويراجع تفسير ابن كثير ج1 ص322.

(5) سورة البلد الآية رقم 10.

وقد قال العلماء في تفسير هذه الآية أن النجدين هما طريق الخير وطريق الشر، ثم ذكروا الحديث الذي رواه قتادة. قال ذكر لنا أن النبي (- صلى الله عليه وسلم -) كان يقول"أيها الناس أنما هما النجدان نجد الخير ونجد الشر فلم تجعل نجد الشر أحب إليك من نجد الخير"يراجع تفسير القرطبي ج20 ص56 وتفسير ابن كثير ج4 ص513.

وقد ذكر الأصفهاني أن النجدين المذكورين هما العقل والهوى (الذريعة إلى مكارم الشريعة ص30)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت