الصفحة 14 من 17

ولا شك أن هذا الأسلوب نافع في خدمة السياسة الجنائية لكونه يصرف كثيرا من الناس عن أبواب الجريمة، ويذودهم عن حياض المعاصي، ويوفر الأمن والأمان [1] فإذا بقى من العصاة من لا يفهم القضية على هذا النحو، أو يفهمها ولكنه يرغب في استعجال منفعته فإن ذلك لا يقلل من قيمة تلك الفكرة التي أقام عليها الإسلام منهجه في خدمة السياسة الجنائية. ثم أن ذلك المنهج قد وضع لهذا الإنسان الذي شذ عن الطبيعة السوية جملة من التدابير القائمة على الردع والزجر.

بذلك يبقى المنهج الإسلامي في مجال الدفاع ضد الجريمة منهجا متميزا بلك الفكرة العظيمة. ثم أن المنهج الإسلامي قد عزز هذه الفكرة بفكرة أخرى هي التركيز على قوتي العقل والضمير. فالعقل ميزان الاعتدال إذ يشير إلى أن الإشباع المفرط للغرائز إنما هو شأن البهائم، وأن الاعتدال هو شأن العقلاء من الناس، كما أنه يشير إلى أن الإفراط لابد أن يصحبه انتقاص من حق الآخرين، فهو قرين الظلم والطغيان، وذلك كله ليس شأن العقلاء من الناس [2] .

وأما الضمير فإنه يجعل المرء يشعر في كل حالاته السرية والعلنية بالرقابة الدائمة من قبل الله سبحانه وتعالى [3] .

كما أنه يجعله يشعر بأن عليه من الله حراسا حفاظا يرقبون حركاته وتصرفاته ويرصدونها عليه [4] .

(1) تذكر السيرة أن عمر بن الخطاب (- رضي الله عنه -) كان قد ولي القضاء في المدينة في خلافة أبي بكر (- رضي الله عنه -) فلما مرت عليه سنة في ذلك جاء إلى الخليفة يطلب إعفاءه من ذلك العمل وقد علل ذلك بأنه لم يختصم إليه اثنان وقال: لقد رضي كل واحد فما قسم الله له وآثر أخاه على نفسه ففيم يختصمون.

(2) روى أبو أمامة أن غلاما شابا أتى النبي (- صلى الله عليه وسلم -) فقال: يا نبي الله تأذن لي في الزنا فصاح الناس به، فقال النبي (- صلى الله عليه وسلم -) "وقربوه ادن"فدنا حتى جلس بين يديه فقال له النبي (- صلى الله عليه وسلم -) "أتحبه لأمك؟"فقال: لا، جعلني الله فداك. فقال"كذلك الناس لا يحبونه لأمهاتهم""أتحبه لأبنتك؟"فذكر له الأم والبنت والأخت وهو يرد نفس الرد فوضع النبي (- صلى الله عليه وسلم -) يده على صدر الغلام وقال""اللهم ظهر قلبه وحصن فرجه"فلم يكن شيء أبغض إليه من الزنا (الحديث رواه أحمد بإسناد جيد، رجاله رجال الصحيح، مشار إليه في أحياء علوم الدين للغزالي رحمه الله ج2 ض334، وفي تفسير ابن كثير، ج3، ص39."

(3) فهو يسمع قول الله تعالى:"أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ ومَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاثَةٍ إلا هُوَ رَابِعُهُمْ ولا خَمْسَةٍ إلا هُوَ سَادِسُهُمْ ولا أَدْنَى مِن ذَلِكَ ولا أَكْثَرَ إلا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا) (سورة المجادلة الآية رقم 7) ."

(4) فهو يسمع قول الله تعالى: (وإنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ) سورة الانفطار الآيات رقم 10:12، وقول الله تعالى: (مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) سورة ق آية رقم 18.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت