الصفحة 13 من 17

لقد تناول المنهج الإسلامي هذه الغريزة فوظف جانب النافع في مجال الاستخلاف على وجه الأرض، إذ منع التبتل والانقطاع [1] ، ورغب في العمل والكسب وحث عليه، ولكنه من جهة أخرى كف الضرر الذي قد يجر إليه الجانب الآخر من تلك الغريزة، وكان ذلك عن طريق ربط الدنيا بالآخرة في حس المؤمن فوسع بذلك ميدان الإشباع الأمثل لغريزة حب الذات.

فكانت خطة المنهج الإسلامي قائمة على أساس التأكيد على وجود هذه الغريزة وذلك لاستغلال جانب النفع فيها، وفي ذات الواقع فقد جعل ذلك المنهج الميدان المناسب لإشباعها واسعا فهو يشمل الدنيا والآخرة فكل سعي يسعاه الإنسان إنا هو إشباع لمطامعه، غير أن تلك المطامع قد صارت بالتصور الإسلامي أبعد من الدنيا وأوسع منها وانفع.

فمثله في تأكيد الإشباع الأمثل للرغبات كمثل قوم أقبلوا على دار عامرة زاخرة بكل أصناف المتاع، وكل ألوان الزينات، فوجدوها قد أبيحت لهم، فأعمل كل منهم حيلته وسلاحه وقوته في جمع ذلك المتاع فإذا بهم يختصمون عليهم ويقتتلون فبينما هم كذلك إذ طلع عليهم طالع من أشرافهم يعرفون قدره ويفهمون قوله ويصدقون وعده. فقال لهم: أم أن ترك ما في يده وانصرف فإنه ضمين له بدار عامرة زاخرة بما هو خير مما بين يديه، لا ينازعه فيها أحد فكيف يكون حال القوم وقد صدقوا قوله ويتقنوا من صدق وعده لهم؟.

لا شك أن أكثرهم -وهم عقلاء القوم وخيارهم وعامتهم يتركون ما في أيديهم، ولكن ذلك الترك ليس كراهة للمتروك ولا زهاده فيه وإنما هو طمع فيما سواه مما هو أوفر منه، أي أنهم لا يفعلون ذلك خروجا من طبائعهم المجبولة على حب الذات، وإنما هو تأكيد لتلك الطباع، إذ غاية ما في الأمر هو أن الإنسان العاقل إذا عرضت له منفعتان، أحدهما قليلة عاجلة والأخرى عظيمة آجلة فإنه يؤثر العظيمة الآجلة وذلك لكونه يجب ذاته ويحرص على مصلحتها، فكان الترغيب في الأخرى هو تزهيد في الدنيا وهو تأكيد للذات.

(1) فقد جاء في الحديث أن ثلاثة نفر أتوا يسألون من عبادة النبي (- صلى الله عليه وسلم -) فلما أخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: وأين نحن من رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ فقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدا، وقال آخر وأنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر وأنا أعزل النساء فلا أتزوج أبدا، فجاء رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) فقال:"أنتم الذين فلتم كذا وكذا أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني". حديث صحيح، رواه البخاري ومسلم، (ويراجع فتح الباري، ج9،ص5، 6. صحيح مسلم ج1 ص584)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت