مما لا شك فيه أن الخالق جل وعلا قد ركب في طبع الإنسان حب الذات وجبله على حب اجترار المنافع لنفسه، وغرز فيه الحرص على جلب المصالح به، فكانت مشيئة الله التي جرت على هذا النحو هي تأكيد لذات الإنسان وتعزيز لدوره الذي ارتضاه خالقه له، وهو دور الخلافة على وجه الأرض، إذ بدون تلك الصفة لابد أن يخمد نشاطه، وتركد حياته ويتوقف دوره، ويغيب أثره.
والأصل في الإنسان -بحسب هذه الفطرة- هو الميل الشديد نحو الإشباع المفرط لمطالب الذات، وهذا هو مقتضى قول الحق تبارك وتعالى في وصف حال الإنسان (وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ) [1] أي أنه شديد الميل لكل ما يراه خيرا لذاته [2] .
وهذه الغريزة من الناحية الواقعية ذات وجهين: أحدهما نافع والآخر ضار فأما النافع فهو أنها قوام الحركة والتأثير وأداة الاعمار والاستخلاف في الأرض، إذ لولاها لما قامت للإنسان همة ولا انطلقت له غريزة ولكان في عداد الموتى، أو قريبا من حالهم.
وأما الوجه الضار فهو أنها قد تجر إلى الطغيان والظلم، فتكون عاملا من عوامل الصراع والنزاع بين أفراد الإنسان، وذلك لانعدام التناسب بين المطامع الذاتية المنطلقة من تلك الغريزة وهي مطامع لا يحدها شيء [3] وبين المنافع والأغراض المتوافرة في واقع الحياة، فالأولى غير متناهية في حين أن الثانية محدودة معدودة وأن كثرت -وهذا أمر يثير الخلاف بين أفراد الإنسان، على نحو يجر إلى الصراع والاقتتال، ويدعو إلى الخروج عن قواعد السلوك المستقيم، فتحدث الجرائم.
التوظيف السليم لغريزة حب الذات:
(1) سورة العاديات آية رقم8
(2) وقيل أن المقصود بالخير هنا: المال فيكون معنى ذلك أن الإنسان شديد التعلق بالمال والولوع بجمعه (يراجع: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي مجلد 20 ص162 والبحر المحيط ج8 ص505 وتفسير ابن كثير ج4 ص543)
ومعلوم أن هذه الطبيعة التي يؤكدها الأصل الثاني لا تناقض ما سبق التأكيد عليه في الأصل الأول وهو أن الأصل في الإنسان استقامة الفطرة، إذا أن تلك الاستقامة لا تمنع حب الذات إذ أن ذلك الحب هو بعض جوانب الاستقامة.
(3) وهذا ما أكده حديث النبي (- صلى الله عليه وسلم -) "لا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب". رواه البخاري ومسلم، والنص الكامل للحديث هو"لو أن أبن آدم أعطى واديا ملآن من ذهب أحب إليه ثانيا، ولو أعطى ثانيا أحب إليه ثالثا، ولا يسد جوف أبن آدم إلا التراب، ويتوب ألله على من تاب"وفي رواية:"ولا يملأ جوف ابن آدم". (يراجع فتح الباري، ج11 ص258، 260 وصحيح مسلم، ج1 ص417) .