والاستناد إلى هذا الأصل يوفر عددا من النتائج في مجال السياسة الجنائية هي:
1 -أن ذلك الأصل يدحض الافتراض القائل بوجود مجرمين بالميلاد، إذ لا يمكن قبول ذلك الافتراض بعد التسليم بهذا الأصل، وهذا أمر لا تخفي فوائده، وذلك أن افتراض الانحراف الفطري يبعث على اليأس، فيمنع المجرم من محاولة التوبة ويمنع القائمين على أمر السياسة الجنائية من محاولة أعمال البرامج الإصلاحية على هذا النوع من المجرمين، الإضافة إلى أن ذلك يجعل العقاب الجنائي غير عادل، لأن الجاني لم يذنب إذ هو مجبول على ذلك السلوك الذي قارفه [1] .
2 -أن ذلك يوجه السياسة الجنائية إلى الحفاظ على هذا الأصل في الإنسان والعمل على إبعاده عن العوامل التي قد تفسده.
فالأمر هنا لا يحتاج أكثر من إمعان النظر في عوامل التأثير، وهي عوامل يمكن إدراكها أو توقعها، ثم العمل على إبعاد الإنسان عنها، ليظل على أصله السوي المستقيم، وهو ما أكده المنهج الإسلامي، إذ منع الاقتراب من عوامل إفساده، وسد الذرائع الموصلة إليه [2] .
3 -أن ذلك يؤكد أن الإصلاح والتقويم هو أمر ممكن، وأن بذرة الخير تظل أصلا كامنا في كل نفس مهما يبلغ عتوها وشرها، وأن ذلك الإصلاح سهل المنال، إذا لا يكلف أكثر من أحكام الخطة اللازمة لعملية الإعادة إلى الأصل.
ويكون معنى ذلك أن المجرم -حالة إجرامه- إنما يكون على وضع استثنائي وأنه أقرب إلى الصلاح والاستقامة منه إلى البقاء على ذلك الوضع الاستثنائي الغريب على الفطرة. ومن ثم فإنه لا يحتاج إلا إلى شيء من العون ليتجاوز حالة الانحرافات التي هو عليها ويعود إلى الأصل الذي فطره الله عليه.
وهذا يعني أن رصيد الفطرة سيكون إلى جانب الإجراءات الوقائية والعلاجية، يقويها، ويضاعف أثرها، ولا يقف ضدها.
الأصل الثاني: التأكيد على غريزة حب الذات ثم توظيفها:
(1) وهذا هو المذهب الذي اعتنقه أنصار النظرية الوضعية التي تقوم على فكرة المجرم بالميلاد.
(2) وذلك هو مقتضى قول الحق تبارك وتعالى (ولا تَقْرَبُوا الزِّنَى) سورة الإسراء الآية رقم 32، وقوله تعالى (ولا تَقْرَبُوا الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ومَا بَطَنَ) سورة الأنعام، الآية رقم 151
وقد جاء في التفسير أن الله نهى عباده عن الزنا وعن مقاربته ومخالطة أسبابه ودواعيه (ابن كثير، ج3 ص39) ، وقال القرطبي: أن قول الله تعالى: (ولا تَقْرَبُوا الزِّنَى) أبلغ من أن يقول: ولا تزنوا فإن معناه: ولا تنو من الزنا (الجامع لأحكام القرآن، ج6 ص3869) .