ثالثًا: ومن خلال الآيات السابقة وغيرها ، يتبين لنا مدى ارتباط المنهج الأخلاقي في القرآن ، بجانب العقيدة والعبادة والمعاملات ، والعلاقات الأسرية والاجتماعية والدولية ، والأحوال الشخصية وغيرها ، فالعنصر الأخلاقي سمة بارزة في جميع تلك الجوانب ، تقوم عليه أصولها التشريعية والتهذيبية على
السواء (55) .
وأمثلة هذا في القرآن والسنة لا تحصر ، فكم آية قرنت بين التوحيد والإيمان من جهة ، وبين أنواع من الأخلاق من جهة أخرى ؛ كالإحسان قوله تعالى: ( واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا وبالوالدين إحسانًا ... (( 56) الآية ، وكالبر في قوله:( ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن
السبيل ... (( 57) الآية .
-وهناك آيات وضحت الصلة بين العبادة والأخلاق ، كما تقدم في الكلام عن الصلاة والزكاة ، ومن ذلك أيضًا: ارتباط الصيام بالتقوى التي هي جماع الأخلاق الفاضلة ( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون (( 58) ، ومثله في الحج وعلاقته بالتقوى وبيان أثر تجنب الأخلاق السيئة في قبول الحج ومغفرة الذنوب: ( الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب (( 59) .
وهكذا سائر العبادات وكذا المعاملات والعلاقات ، ترتبط بالمنهج الأخلاقي في القرآن ، وتنطلق من قواعده وأسسه (60) .
رابعًا: إن مما يؤصل المنهج الأخلاقي في القرآن الكريم ، ارتباطه بمقاصد الشريعة وبحفظ الضرورات الخمس التي اجتمعت الشرائع والرسالات عليها ، وهي"الدين والنفس والعقل والنسل والمال". ذلك أن جميع الشرائع جاءت بمكارم الأخلاق ومحاسن العادات ، مع اختلافها في الفروع والأحكام كما قال تعالى: ( لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا (( 61) .