الصفحة 20 من 461

ولو اهتدى الفريقان الى اشتراط ثبوت أصول الدين (اعتقادية أم عبادية) بالنص القرآني القطعي الدلالة وجواز إثبات الفروع بالدليل الظني (قرآنيًا كان أم حديثيًا) لانحل الإشكال والتقيا في نقطة واحدة وخرجت جميع القضايا الفروعية الظنية من دائرة الصراع التي اتسعت وطال أمدها.

مخاطر إثبات العقيدة أو الأصول بمتواتر الروايات

هذا من ناحية ومن ناحية أخرى: فإن إثبات العقيدة بمتواتر الروايات يكتنفه أمران سلبيان يتبين من خلالهما أن هذه القاعدة ليست فارغة فحسب وإنما خطرة وضارة جدًا ألحقت بالعقيدة -بل الدين عمومًا- أضرارًا عظيمة:

الأمر الأول: أننا لا نحتاج الى الروايات (آحادها ومتواترها) في إثبات أصول العقيدة لاستغنائها عنها بصريح القرآن فما من أصل من أصول الاعتقاد وأساسياته إلا وهو مذكور صراحة في القرآن فيصبح القول بإثبات الأصول بمتواتر الروايات فضولًا لا حاجة فيه.

والأمر الثاني: أن هذا الفضول -الذي لا نحتاجه- فتح على العقيدة (والشريعة كذلك) أبوابًا من الشرور لا تحصى!!! لأن هذه القاعدة غير منضبطة إذ المتواتر الروائي أمر نسبي يختلف فيه المحدثون الى حد أن فريقًا يحكم بالضعف على أحاديث يحكم لها فريق آخر بالتواتر! خذ مثلًا أحاديث المهدي (1) .

(1) من العلماء من أنكر وجود أحاديث متواترة أصلًا، واعتبرها مسألة نظرية بحتة. يقول الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور [تحقيقات وأنظار في القرآن والسنة ص50-51] : (ليس بين أيدينا الآن من المتواتر غير القرآن وماهو معلوم من الدين بالضرورة. وأما الأحاديث المتواترة فقد قال علماؤنا: ليس في السنة متواتر لتعذر وجود العدد الذين يستحيل تواطؤهم على الكذب في جميع اصول الرواة بيننا وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وإنما أكثر الأحاديث رواةً لا يعدو أن يكون من المستفيض كما تقرر في أصول الفقه. من أجل ذلك لا تجد علماء أصول الدين مشتغلين بهذه المسألة) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت