الصفحة 18 من 461

وإلى ذلك أشار الإمام الشاطبي بوضوح حين قال: (قوله تعالى: { منه آيات محكمات هن أم الكتاب } فجعل المحكم - وهو الواضح المعنى الذي لا إشكال فيه ولا اشتباه - هو الأم والأصل المرجوع إليه، ثم قال: { وأخر متشابهات } يريد: وليست بأم ولا معظم فهي إذن قلائل، ثم أخبر أن اتباع المتشابه منها شأن أهل الزيغ والضلال عن الحق والميل عن الجادة، وأما الراسخون في العلم فليسوا كذلك وما ذاك إلا باتباعهم أم الكتاب وتركهم الاتباع للمتشابه. وأم الكتاب يعم ما هو من الأصول الاعتقادية أو العملية إذ لم يخص الكتاب ذلك ولا السنة… فإن المخالف في أصل من أصول الشريعة العملية لا يقصر عن المخالف في أصل من الأصول الاعتقادية في هدم القواعد الشرعية) (1) .

التفريق يجب أن يكون بين الأصول والفروع

إن الشرع يفرق بين ما هو أصل وأساس للهداية ينبغي أن يبنى على قواطع الأدلة، ولا يتسامح في الاختلاف فيه وبين ما هو فرعي وتابع لا يشترط له ذلك بل تكفي فيه الأدلة الظنية، والاختلاف فيه سائغ ومشروع، هذا هو مناط التفريق المؤثر والأصيل.

واشتراط الدليل القطعي في الأصول، وعدمه في الفروع أمر مفروغ منه.

إن من نافلة القول أن نذكر بأن القضايا التي دارت حولها مباحث الأصوليين هي من صلب الدين إذن لا ينبغي أن يكون التأصيل نظريًا بحتًا أو عقليًا مجردًا أو بعيدًا عن المصدر الأساس للتأصيل.

إن التأصيل الشرعي الصحيح ينبغي أن يكون مقيدًا بما جاء في التنزيل.

أما أن يبتعد التأصيل عن المصدر ويكون مقيدًا بأجواء الصراع وعبارة عن ردود أفعال متقابلة أفرزها ذلك الصراع، وليس أفعالًا أصيلة نابعة من المصدر الأساس (الوحي) - فهذا هو السبب الحقيقي الذي أوقع الأقدمين في تلك الأخطاء الجوهرية وهو أحد الأسباب الكبرى للتخبط الفكري المزمن لأن قواعد الانطلاق غير صحيحة أو .. غير دقيقة.

(1) الموافقات 4/115، 116.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت