وهناك أخطاء جوهرية أخرى - لا تقل عن الخطأ السابق - في قواعد المنهج الاستدلالي الذي يسود أوساطنا العلمية سببها عدم ملاحظة الفرق في طبيعة القضايا المطروحة للنقاش- الأمر الذي أدى الى الجمود والتحجر في طريقة تناولها! إذ لا زلنا نناقش قضايانا على القواعد الأصولية القديمة نفسها رغم اختلاف القضايا المستجدة في طبيعتها عن القضايا القديمة، ورغم مرور أكثر من عشرة قرون دون أن يطرأ أي تجديد على تلك القواعد يجعلها تتناسب وطبيعةَ التغيير الذي طرأ عليها والاختلاف فيما بينها.
إن أغلب القضايا الفكرية التي اصطرع عليها أهل القبلة في القرون الأولى هي قضايا فروعية (1)
(1) خذ مثلًا مسألة رؤية الله تعالى فقد انقسم المسلمون فيها قسمين:
1.فمنهم - كالمعتزلة - قال بعدم إمكانية الرؤية مطلقًا لا في الدنيا ولا في الآخرة.
واحتجوا بحجج عقلية ونقلية، كقوله تعالى: { لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } (الأنعام:103) قالوا: الإدراك هو الرؤية.
2.ومنهم من قال برؤيته وهم عموم (السلف) ، وأولهم الصحابة- رضي الله عنهم -. وهؤلاء انقسموا فريقين:
أ- فريق قال بجواز رؤيته في الدنيا والآخرة كابن عباس- رضي الله عنه -.
ب- وفريق قال بجوازها في الآخرة فقط كأم المؤمنين عائشة (رضي الله عنها) .
وسبب الاختلاف من الأساس: أن النصوص الواردة في (الرؤية) يوجد في ظاهرها تعارض يحتاج إلى تدبر ونظر دقيق للوصول إلى المقصد النهائي منها.
فالذين أثبتوا (الرؤية) استدلوا بنصوص عديدة من القرآن والسنة كقوله تعالى: { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ } (القيامة:22،23) والنظر إلى الشيء رؤيته قطعًا. لكن أشكل على =
= سواهم قوله تعالى: { لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ اْلأبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ } (الأنعام:103) .
وقد احتجت السيدة عائشة (رضي الله عنها) بهذه الآية على نفي رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - ربه ليلة الإسراء كما جاء في صحيح الإمام مسلم عن مسروق قال: كنت متكئًا عند عائشة فقالت: يا أبا عائشة ثلاث من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم على الله الفرية. قلت: وما هن؟ قالت: من زعم أن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية. قال: وكنت متكئًا فجلست، فقلت: يا أم المؤمنين أنظريني ولا تعجليني. ألم يقل الله عز وجل: { وَلَقَدْ رَآهُ بِالأفُقِ الْمُبِينِ } (التكوير:23) { وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى } (النجم:13) ؟ فقالت: أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: (إنما هو جبريل لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين، رأيته منهبطًا من السماء سادًا عظم خلقه ما بين السماء إلى الأرض) . فقالت: أولم تسمع أن الله يقول: { لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبيرُ } (الأنعام:103) ؟
وفي رواية أخرى في صحيح مسلم أيضًا: عن مسروق قال: سألت عائشة: هل رأى محمد - صلى الله عليه وسلم - ربه؟ فقالت: سبحان الله لقد قفَّ شعري لما قلت … وساق الحديث بقصته.
أما ابن عباس - رضي الله عنه - فالظاهر من كلامه أنه - صلى الله عليه وسلم - رآه بقلبه كما جاء في صحيح مسلم أيضًا.
فمن فسر (الإدراك) بـ (الرؤية) أشكل عنده الأمر لتعارض النصين: (الإدراك والنظر) . فكلاهما يعني (الرؤية) لكن أحدهما مثبت والآخر منفي! فلا بد من الجنوح إلى التأويل درءًا للتعارض، وحلًا للإشكال.
وهنا تختلف أنظار الخلق تبعًا لاختلاف عقولهم وعلومهم: فمنهم من يجعل قوله تعالى: { لا تُدْرِكُهُ الأبْصَار } ، وقوله لموسى - عليه السلام: { لَنْ تَرَانِي } (الأعراف: 143) أصلًا يؤول إليه ما عداه مما يعارضه - ولو تأويلًا متعسفًا - ليتوافق معه ويرد لأجله جميع الأحاديث المعارضة. ولما كانت هذه الأحاديث صحيحة لا غبار عليها، لجأ إلى موضوع (الآحاد والمتواتر) فادعى أنها أحاديث آحاد أي ظنية، والظن لا يعتمد - كما يدعي - هنا.
ومنهم من عكس الأمر. فجعل من قوله تعالى: { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ*إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ } أصلًا معتمدًا ترد إليه النصوص المعارضة فأثبت (الرؤية) .
وهؤلاء منهم من قال: إن النصوص النافية مخصصة بالدنيا دون الآخرة، ومنهم من فرق بين (الرؤية) و (الإدراك) فقال: لا تلازم بين عدم الإدراك وعدم الرؤية وفسر الإدراك بالإحاطة. فالمدينة تراها ولا تدركها أي لا تحيط بها بصرًا، وإن رأيت بعضها فالله سبحانه { لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ } أي لا تحيط به وإن رأته، ودعم هذا الصنف رأيه بالأحاديث الصحيحة وقال بتواترها، أو لم يشترط لها التواتر لأن أحاديث الآحاد عنده حجة بذاتها. وأما قول الله تعالى لموسى- عليه السلام -: { لَنْ تَرَانِي } فهذا في الدنيا على الحالة التي عليها موسى - عليه السلام - . أما في الآخرة فسينشئه الله نشأة أخرى يمكنه بها =
= من رؤيته سبحانه.
والكلمة الفصل في هذه المسألة - والله أعلم - أن الأصل والأساس العظيم في توحيد الأسماء والصفات هو: إثبات صفات الكمال لله تعالى كما جاءت في الكتاب والسنة، وتنزيهه عن صفات النقص كما قال سبحانه: { وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ } (الروم: 27) وقال: { وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى } (الأعراف: 180) وقال: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } (الشورى:1) . وقال: { سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ } (الصافات:180) .
و (الرؤية) فرع عن هذا الأصل، والنصوص القرآنية التي وردت بإثباتها طرأ عليها إشكال وقام بوجهها معارض سبب هذا الاختلاف، ودليل فرعيتها أن نصوصها المثبتة -رغم وضوحها- لم تسلم من معارض لها يوجب تأويلها عند البعض فعادت هذه النصوص ظنية ولو بدرجة ضعيفة فلم تكتسب القطعية التي هي أساس الأصول. والفروع يصح بناؤها على الأحاديث النبوية الصحيحة (آحادها ومتواترها) . وقد صرحت كثير من الأحاديث برؤية الله تعالى في الآخرة فهو يرى في الجنة ورؤيته فيها هو أعظم ما فيها من نعيم. ولكون المسألة فروعية، ولورود الإشكال في نصوصها بصورة من الصور؛ فلا يصح تكفير منكر (الرؤية) متأولًا كما يكفر منكر الصلاة أو الزكاة. كذلك لا يصح الإنكار على مثبتها. ولذلك كان عطاء ومجاهد -وهما من كبار علماء التابعين وسلف الأمة، ومن تلاميذ ابن عباس- لا يؤمنان برؤية الله مطلقًا لا في الدنيا ولا في الآخرة! ومع ذلك لم ينسبهما أحد من العلماء إلى بدعة أو كفر. بينما إنكار أصل من الأصول يستوجب الكفر، بل إنكار الفروع الثابتة بدليل قطعي يستوجب ذلك. ...