(إن أصول الدين(1)
(1) لا أقصد بـ (الأصول) المعنى الاصطلاحي المتعارف عليه من أنها أصول الاعتقاد الثلاثة (التوحيد والنبوة والمعاد) أو الخمسة - عند البعض - فقط . وإنما أقصد به - إضافة الى هذا - جميع المسائل الأساسية التي يقوم عليها الدين، والتي ينبني على وجودها مصالح عظيمة لا غنى عنها، وينتج عن الاختلاف فيها مفاسد عظيمة لا بد منها كالصلاة والزكاة والجهاد وتحريم أمهات الحرام كالقتل والزنا السرقة والربا، بغض النظر عن كون المسألة أصولية في حقيقتها، أم أنها جُعلت كذلك، أي أعطاها أصحابها هذه المنزلة. = ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
= وإلى هذا أشار الإمام الشاطبي بقوله: (إن المراد بالأصول القواعد الكلية كانت في أصول الدين، أو في قواعد الفقه أو غير ذلك من معاني الشريعة الكلية لا الجزئية، وعند ذلك لا نسلم أن التشابه وقع فيها البتة وإنما وقع في فروعها) [الموافقات 3/66] . ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...
وقوله: (إن الأصل - على كل تقدير - لا بد أن يكون مقطوعًا به لأنه إذا كان مظنونًا تطرق إليه احتمال الخلاف، ومثل هذا لا يجعل أصلًا في الدين، عملًا بالاستقراء) [الموافقات 1/11] .
وهذا أقرب الى طريقة القرآن ومقاصده منه الى مناهج المتكلمين: فالله تعالى حين ذكر أصول الهداية في بداية كتابه جمع بين الإيمان بالغيب وإنزال الكتب، وبين إقامة الصلاة وأداء الزكاة وداخل بينها دون فصل فقال: { الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } (البقرة:1-5) .
فكل هذه الأمور - اعتقادية كانت أم عملية - من أساسيات الهداية التي ينبني عليها مصالح عظيمة لا غنى عنها، وينتج عن الاختلاف فيها مفاسد عظيمة لا بد منها. ولذلك أعبر عنها أحيانًا بلفظ (أساسيات) أو (ضروريات) بدلًا من لفظ (أصول) .