ولن يحتاج - بعدُ - إلى كثرة الردود والتفريعات والمناقشات التي لا يحسنها إلا المختصون أو المتدربون، والتي ضيعت الحق على عامة الناس لأنهم يتصورون أن معرفته منوطة بالعلماء فقط ، فإذا رأى أحد العوام أنه قد انهزم في نقاش أو حصر في مسلك ضيق وبان له تهافت حججه قال: علماؤنا أعلم ولا بد أن لهم ردودًا لا أعرفها، وينهي نقاشه باقتراح مؤداه عرض الأمر على أحد أولئك العلماء من أجل حسمه ومعرفة القول الفصل فيه، وهو لا يدري أن مرجعية المسلم في أصول دينه وأساسياته قرآنية وليست بشرية.
وهكذا تضيع معالم الحق وتتشوش صورته في ذهنه ما دام هذا الهاجس في نفسه؛ لأنه يتصور أن الحق مع من غلب في النقاش، مع أن هذا ليس شرطًا مضطردًا؛ لأن الغلب قد يكون للأعلم بأساليب الجدل، لا للأعلم بالحق!
وإلى هذا أشار الإمام مالك رحمه الله تعالى حين جاءه رجل يقول له: هلم أجادلك. قال: فإن غلبتك؟ قال: أتبعك. قال: فإن غلبتني؟ قال: تتبعني. قال: فإن جاء رجل ثالث فغلبنا؟ قال: نتبعه! فقال الإمام: هذا أمر يطول، أفكلما جاءنا رجل أجدل من رجل اتبعناه! أنت رجل شاك فاذهب إلى رجل شاك مثلك.
إن كتاب الله تعالى يضع في يد كل طالب للحق - ولو كان من عوام الناس - مفتاحًا يتوصل به إلى معرفة الحق، وسلاحًا يتغلب على خصمه - ولو كان من أكابر العلماء - كل ذلك بسهولة ويسر، ومن دون تطويل!
إن هذا المفتاح وهذا السلاح يتلخص في مناقشة الدليل من حيث كونه صالحًا للإستدلال أم لا، قبل مناقشة دلالته على المراد.
ومعرفة صلاحية الدليل من عدمها سهلة جدًا، وفي متناول مدارك الجميع: علماء وعامة. أما اتباع الأسلوب التقليدي الذي يعتمد على مناقشة دلالات الدليل قبل النظر في صلاحيته للاستدلال فأمره يطول، ولا يحسنه إلا القليل، ويحتاج إلى علم كثير. وقد لا يتبين من خلاله الحق من الباطل بيانًا تامًا.