الحمدُ لله ربّ العالمين، وصلى اللهُ على عبدهِ ورسولهِ خاتمِ النبيين، وعلى آله وصحبهِ ومن تبعهم بإحسان وسلّم تسليمًا كثيرًا، أمَّا بعد:
فإنّ مما يسر الباحث في علمِ الحديثِ الشريف ما يَرى من انتشارِ المنهجيةِ العلمية السليمة في دراسةِ الحديثِ وعلومِهِ، والعنايةِ بعلوم سلفنا الزاخرة؛ جمعًا ودراسةً وتحليلًا واستنطاقًا.
ومن ذلك العناية بأدق وأجل علوم الحديث"علم العلل"قَالَ الخطيبُ البغدادي (ت463هـ) : (( معرفةُ العلل أجلّ أنواع علم الحديث ... وعن عبد الرحمن بنِ مهدي قَالَ: لأنْ أعرف علةَ حديث-هو عندي- أحب إليّ من أنْ أكتب عشرين حديثًا ليس عندي ) ) [1] .
وَقَالَ عبدُ الرحمن بنُ أبي حاتم الرازي (ت327هـ) : (( سمعتُ أبي يقولُ: جرى بيني وبين أبى زرعة يومًا تمييز الحديث ومعرفته، فجعل يذكر أحاديثَ ويذكر عللها، وكذلك كنتُ أذكر أحاديث خطأ وعللها وخطأ الشيوخ، فقال لي: يا أبا حاتم قلَّ من يفهم هذا! ما أعز هذا! إذا رفعت هذا من واحد واثنين فما أقل من تجد من يحسن هذا! وربما أشك في شيء أو يتخالجنى شيء في حديث فإلى أن التقى معك لا أجد من يشفينى منه، قَالَ أبى: وكذاك كَانَ أمري ) ) [2] ، وَقَالَ ابنُ أبي حاتم أيضًا: (( سمعتُ أبي يقول: الذي كَانَ يحسنُ صحيحَ الحديثِ من سقيمهِ وعنده تمييزُ ذلكَ ويحسنُ عِلَل الحَدِيثِ أحمدُ بنُ حنبل ويحيى بن معين وعلي بنُ المديني وبعدهم أبو زرعه كَانَ يحسنُ ذلكَ، قيل لأبي: فغير هؤلاء تعرف اليوم أحدا؟ قَالَ: لا ) ) [3] .
وَقَالَ الحاكمُ محمدُ بنُ عبد الله أبو عبد الله (ت404هـ) : (( ذكرُ النوعِ السابعِ والعشرين من علوم الحديث هذا النوع منه معرفةُ عِلَل الحَدِيثِ، وهو علمٌ برأسه غير الصحيح والسقيم
(1) الجامع لأخلاق الراوي (2/ 294) .
(2) تقدمة الجرح والتعديل (ص356) .
(3) الجرح والتعديل (2/ 23) .