وهذا المعنى هو المراد في كلام كثير من المتأخرين، وهو الذي ذكروه في كتب المصطلح، وهو مراد من تكلم عَنْ أهمية العلل ودقتها وقلة من برز فيها، وقد أشار إليه الحاكم في معرفة علو م الحديث [1] ، وعرّفه ابنُ الصّلاح بقوله: (( هو الحديث الذي اطلع فيه على علةٍ تقدحُ في صحته مع أنّ ظاهره السلامة منها ) ) [2] ، وعرّفه ابنُ حَجَر بقوله: (( هو حديث ظاهره السلامة اطلع فيه بعد التفتيش على قادح ) ) [3] .
وعليه يكون الحديث المُعل متفاوتًا من حيثُ الظهور والخفاء، والوضوح والغموض وسيأتي بيان ذلك في الأمثلة التطبيقية والله أعلم.
المعنى الثاني: معنى عام ويراد به الأسباب التي تقدح في صحة الحديث، المانعة من العمل به، قَالَ ابن الصّلاح: (( اعلم أنه قد يطلق اسم العلة على غير ما ذكرناه من باقي الأسباب القادحة في الحديث المخرجة له من حال الصحة إلى حال الضعف المانعة من العمل به على ما هو مقتضى لفظ العلة في الأصل، ولذلك نجد في كتب عِلَل الحَدِيثِ الكثير من الجرح بالكذب، والغفلة، وسوء الحفظ ونحو ذلك من أنواع الجرح، وسمّى الترمذيُّ النسخَ علةً من عِلَل الحَدِيثِ ) ) [4] .
وما قاله ابن الصّلاح ظاهر ففي كتاب العلل لابن أبي حاتم، وكتاب العلل للدارقطني أمثلةٌ كثيرةٌ تدلُ على ما قَالَ، وكذلك في تطبيقات الأئمة المتقدمين، فالعلة عندهم لها معنى واسع وشامل، بحيث تشمل ما قاله ابن الصّلاح، والمعنى الخاص المتقدم الذكر- وإنْ كَانَ المعنى الخاص هو مراد من نبه على قلة من تكلم في هذا الفن، وأنَّه علمٌ عزيزٌ وشريف، طُوي بساطه منذ أزمان-.
المطلب الثاني:
(1) (ص107) .
(2) علوم الحديث (ص81) .
(3) فتح الباقي على ألفية العراقي (1/ 226) .
(4) علوم الحديث (ص84) ، وانظر: ألفية السيوطي شرح أحمد شاكر (ص59 - 60) .