أوَّلُ مَنْ ذَكَرَ هذا العلم كنوعٍ من أنواع علوم الحديث في كتب المصطلح الحاكمُ أبوعبد الله محمد بن عبد الله النيسابوريّ فإنه قَالَ في معرفة علوم الحديث: (( ذكر النوع السابع والعشرين من علوم الحديث هذا النوع منه معرفة عِلَل الحَدِيثِ، وهو علم برأسه غير الصحيح والسقيم والجرح والتعديل ) ) [1] ، ثم إنَّ كثيرًا ممن كتب في مصطلح الحديث تبع الحاكم في جعل هذا العلم أحد أنواع علوم الحديث، وذكروا تعريفه، وأهميته، وأقسامه، وأمثلة على تلك الأقسام ونحو ذلك من مباحث العلل [2] .
المطلب الثالث:
أنَّ الأئمةَ المتقدمين أمثال شعبة بن الحجاج، ويحيى القطان، وعلي بن المديني، وأحمد بن حنبل، والبخاري، ويعقوب بن شيبة، وأبي زرعة، وأبي حاتم، والنسائي، والدّارقُطنيّ، وغيرهم في باب التعليل -كمسألة زيادة الثقة، والتعليل بالتفرد بضوابط- متفقون في الجملة وإن وقع منهم بعض الاختلاف الجزئي لأسباب معينة ومما يدل على ذلك:
القصة التي ذكرها ابنُ أبي حاتم قَالَ: (( سمعتُ أبى رحمه الله يقولُ: جاءني رجلٌ من جِلةِ أصحابِ الرأي مِنْ أهلِ الفهم منهم، وَمَعَه دفترٌ فعرضه علىَّ، فقلتُ في بعضها: هذا حديثٌ خطأ قد دَخَل لصاحبه حديثٌ في حديث، وقلتُ في بعضه: هذا حديثٌ باطل، وقلتُ في بعضه: هذا حديثٌ منكر، وقلتُ في بعضهِ: هذا حديثٌ كذب، وسائرُ ذلك أحاديثُ صحاح، فقال: من أين علمتَ أنّ هذا خطأ، وأنَّ هذا باطل، وأنّ هذا كذب، أخبرك راوي هذا الكتاب بأني غلطتُ وأني كذبتُ في حديث كذا؟ فقلتُ: لا ما أدري هذا الجزء من رواية مَنْ هو، غير أنى أعلم أن هذا خطأ، وأنّ هذا الحديث باطل، وأن هذا الحديث كذب، فقال: تدعى الغيب؟ قَالَ قلت: ما هذا ادعاء الغيب، قَالَ: فما الدليل على ما تقول؟ قلتُ: سلْ عما قلتُ من يحسن مثل ما أحسن فإن اتفقنا علمتَ أنَّا لم نجازف ولم نقله إلا بفهم، قَالَ: من هو الذي يحسن مثل ما تحسن؟ قلت: أبو زرعة، قَالَ: ويقول أبو زرعة مثل ما
(1) معرفة علوم الحديث (ص140) .
(2) تنبيه: عقد الشافعيُّ في كتابه"الرسالة" (ص210) بابًا قال فيه: (( باب العلل في الحديث ) )، ويقصد بالعلل هنا حِكَم التشريع وعلته، لا العلل في اصطلاح المحدثين.