النوع الثاني
المنع من السفر بالمصحف إلى أرض العدو
ومن الحالات التي تؤيد أصالة فكرة المنع من السفر في الفقه الإسلامي: ما ورد من منع السفر بالمصحف إلى أرض العدو.
فعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم"نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو؛ مخافة أن يناله العدو" [1] .
وقد اختلف العلماء في الأخذ بمنطوق هذا الحديث، فذهب إلى المنع مطلقًا: الشافعية، وابن حزم الظاهري، وسحنون من المالكية، وصححه الباجي [2] .
وذهب الحنفية والمالكية إلى منع ذلك إذا كان العسكر غير مأمون، كأن يكون العسكر سَريةً مثلًا، أما إذا كان عسكر المسلمين مأمونًا بأن يكون عددًا كبيرًا، أو جيشًا عظيمًا يجوز لهم اصطحاب المصحف؛ لوقوع الأمن من وقوع المصحف في أيدي الكفرة والاستخفاف به، وحملوا حديث ابن عمر السابق في النهي عن السفر بالمصحف إلى أرض العدو بما إذا كان عسكر المسلمين قليلًا [3] .
وهذا المثال واضح الدلالة على جواز المنع من السفر بالمصحف إلى أرض العدو؛ لدفع مفسدة وقوعه في أيدي الكفار، ومن ثم الاستهانة والاستخفاف به، ومنه يستدل على أن المنع من السفر أمر جائز لدفع المفسدة، أو جلب المصلحة.
الفرع الثالث
منع السفر بالزوجة المطلقة الرجعية
ومن حالات منع السفر التي وردت في كلام العلماء حالة منع السفر بالزوجة.
وكذلك ذهب الحنفية ومالك إلى أنه لا يجوز للزوج أن يسافر بمطلقته الرجعية حتى يراجعها لقوله تعالى: (لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَاتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ) [4] .
جاء في المدونة:"قلت: أرأيت الرجل يطلق امرأته تطليقة يملك الرجعة، أيكون له أن يسافر بها، قال: قال مالك: لا آذن له في خروجها حتى يراجعها. فإذا لم يكن له إذن في خروجها، فلا يكون له أن يسافر بها إلا أن يراجعها" [5] .
وقال الجصاص تعليقًا على الآية السابقة:"ولهذه الآية قال أصحابنا: لا يجوز له أن يسافر بها حتى يشهد على رجعتها" [6] .
الفرع الرابع
منع الحاضنة من السفر بالمحضون
ذهب جمهور الفقهاء: المالكية [7] والشافعية [8] والحنابلة [9] إلى أنه لا يجوز للحاضنة أن تسافر بالمحضون سفر نقلة أو انقطاع وسُكنى في مكان آخر، فإن سافرت الأم بالمحضون
(1) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الجهاد والسير، باب كراهية السفر بالمصاحف إلى أرض العدو 3/ 1090، حديث رقم 2828، مسلم في صحيحه: كتاب الإمارة باب النهي أن يسافر بالمصحف إلى أرض الكفار إذا خيف وقوعه بأيديهم 3/ 1490، حديث رقم 1869.
(2) المجموع 2/ 84 - 85، المحلى 5/ 418، المنتقى للباجي 3/ 166.
(3) بدائع الصنائع 7/ 102، تبيين الحقائق 3/ 244.
(4) سورة الطلاق آية1.
(5) 4/ 188، وانظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 3/ 122.
(6) أحكام القرآن 5/ 348 - 349، وانظر البحر الرائق 4/ 60، والمبسوط للسرخسي 6/ 34، وبدائع الصنائع 3/ 206.
(7) شرح الخرشي على مختصر خليل 4/ 215، منح الجليل 4/ 429، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 2/ 531.
(8) المنثور في القواعد للزركشي 3/ 166، الغرر البهية شرح البهجة الوردية 4/ 403، شرح المحلى ومعه حاشيتا قليوبي وعميرة 4/ 93 - 94، تحفة المحتاج 8/ 363.
(9) الإنصاف للمرداوي 9/ 427، كشاف القناع 5/ 500.