الوعد الأول: (إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) [1] .
رادوه: بضمير جمع المتكلم، وفيه من الجلال والربوبية، لا يخفي علي من له ذوق للغة العربية.
الوعد الثاني: (وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ)
ولم يذكر الله - عز وجل - شكلا ونظاما وترتيبا ووقتا للإيفاء بهذين الوعدين. . وهذا هو الأسلوب في سائر موعودات الله - عز وجل - .. فالله تبارك وتعالي يعد الوعد في القرآن بدون ذكر الترتيب والنظام والشكل المخصوص والوقت المعين لإيفاء وعده، لأنه هو الفعال الحقيقي، يفعل ما يشاء بقدرته، ضد الشكل أو مع الشكل، أو يخلق الشكل فجأة بقدرته، فمن أسمائه الخالق البارئ المصور. . ومنزه عن الأشكال والصور فكيف يحتاج إليها؟.
فالله تبارك وتعالي لم يذكر في هذين الوعدين، متي يرد موسي - عليه السلام - إلي أمه، ومتي يجعله من المرسلين، وبأي شكل وبأي نظام وبأي ترتيب، لم يتعرض لهذه الأمور.
ويريد الله - عز وجل - من عباده أن يتيقنوا علي وعده يقينا جازما أن وعده حقا، ولا يتأملون متي وكيف، ويفوضون أمرهم إلي الله.
قال الله - عز وجل: {فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ} [2] خاطئين لأنهم لم يعرفوا نظام الله الغيبي، والفصل السماوي، وإرادة الله ومشيئته.
فألق الله - عز وجل - حبه في قلب زوجة فرعون، وهذا الإلقاء أي المحبة في قلبها من الله - عز وجل -، فما من حال يمر علي الإنسان، إلا وهو بأمر الله ومشيئته، قال الله - عز وجل: {إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى * أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَاخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} [3] وقالت امرأة فرعون: {وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} [4] بنظام الله الغيبي والفصل السماوي.
ثم الله - عز وجل - رد موسي إلي أمه وجعل لردة شكلا عجيبا فالله - عز وجل - يقول حكاية عن قول أمه {وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ} [5] فموسي عليه السلام ما كان
(1) سورة القصص _ الآية 7.
(2) سورة القصص _ الآية 8.
(3) سورة طه _ الآيتان 38، 39.
(4) سورة القصص _ الآية9.
(5) سورة القصص _ الآيتان 11، 12.