فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 391

موعظة

كتب عليٌّ بن أبي طالب رضي الله عنه إلى ولده الحسين من عبد الله عليٍ أمير المؤمنين الوالد الفاني الذام للدنيا الساكن مساكن الموتى، إلى الولد المؤمل ما لا يُدرك السالك سبيل من قد هلك، عُرضةُ الأسقام ورهينة الأيام وأسير المنايا وقرين الرزايا وصريع الشهوات ونُصُبَ الآفات وخليفةُ الأموات. يا بُنيَّ إن بقيت أو فنيت فإني أوصيك بتقوى الله عز وجل وعمارة قلبك بذكره والاعتصام بحبله فإن الله يقول: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} الآية وأي سبب يا بُني أوثق من سبب بينك وبين الله عز وجل أحيِ قلبك بالموعظة ونوره بالحكمة وقوه بالزهد وذلله بالموت وقرره بالفناء وحذره صولة الدهر وتقلب الليالي واعرض عليه أخبار الماضين وسر في ديارهم وآثارهم فانظر ما فعلوا وأين حَلُّوا فإنك تجدهم قد انتقلوا من دار الغرور ونزلوا دار الغربة وكأنك عن قليلٍ يا بُني قد صرت كأحدهم فبع دنياك بآخرتك ولا تبع آخرتك بدنياك ودع القول فيما لا تعرف والأمر فيما لا تُكلف ومر بالمعروف بيدك ولسانك وكن من أهله وأنكر المنكر بيدك ولسانك وباين من فعله وخض الغمرات إلى الحق ولا تأخذك في الله لومة لائم واحفظ وصيتي فلا خير في علم لا ينفع واعلم أنه لا غنى بك عن حُسن الارتياد مع بلاغك من الزاد فإن أصبت من أهل الفاقة من يحتمل عنك زادك فيوافيك به في معادك فاغتنمه فإن أمامك عقبة كؤودًا لا يجاوزها إلا أخف الناس حملًا وأجمل في الطلب وأحسن في المكسب فرُب طلبٍ قد جر إلى حربٍ وإنما المحروب من حُربَ دينه والمسلوب من سُلبَ يقينه واعلم أنه لا غنى يعدل الجنة ولا فقر يعدل النار والسلام عليك ورحمة الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت