قال القاضي: نفى تعلق العلم بتفاوت طبقات الأمة في الخيرية وأراد به نفي التفاوت كما قال تعالى: { قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ } أي بما ليس فيهن كأنه قال: لو كان لعلم؛ لأنه أمر لا يخفى ولكن لا يعلم لاختصاص كل طبقة منهم بخاصيه وفضيلة توجب خيريتها كما أن كل نوبة من نوب المطر لها فائدة في النشوء والنماء لا يمكنك إنكارها والحكم بعدم نفعها، فإن الأولين آمنوا بما شاهدوا من المعجزات وتلقوا دعوة الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالإجابة والإيمان، والآخرين آمنوا بالغيب لما تواتر عندهم من الآيات واتبعوا من قبلهم بالإحسان، وكما أن المتقدمين اجتهدوا في التأسيس والتمهيد فالمتأخرون بذلوا وسعهم في التلخيص والتجريد، وصرفوا عمرهم في التقرير والتأكيد فكلُّ ذنبهم مغفور وسعيهم مشكور وأجرهم موفور. انتهى.
قال الطيبي: وتمثيل الأمة بالمطر إنما يكون بالهُدى والعلم كما أن تمثيله - صلى الله عليه وسلم - الغيث
بالهدى والعلم فتختص هذه الأمة المشبهة بالمطر بالعلماء الكاملين منهم المكملين
لغيرهم، فيستدعي هذا التفسير أن يراد بالخير: النفع، فلا يلزم من هذه المساواة في الأفضلية، ولو ذهب إلى الخيرية فالمراد وصف الأمة قاطبة سابقها ولاحقها وأولها وآخرها بالخير، وأنها ملتحمة بعضها مع بعض مرصوصة بالبنيان مفرغة كالحلقة التي لا يُدرى أين طرفاها.
وفي أسلوب هذا الكلام قول الأنمارية: هم كالحلقة المفرغة لا يُدرى أين طرفاها تريد المكملة ويلمح إلى هذا المعنى قول الشاعر:
إنَّ الخيار من القبائل واحدُ ... وبنو حنيفة كلهم أخيار
فالحاصل أن الأمة مرتبط بعضها مع بعض في الخيرية بحيث أبهم أمرها فيها وارتفع التمييز بينها، وإن كان بعضها أفضل من بعض في نفس الأمر وهو قريب من سوق المعلوم مساق غيره وفي معناه أنشد مروان بن أبي حفصة [1] :
(1) انظر ديوانه (ص83) .