الصفحة 27 من 127

واختفى في الغار ثلاثًا، ولبس الدرع والمغفر [1] في الحرب، وكان يستعد ويعد العدة للكفار [2] . وكان يتداوى ويداوي، ويأمر بالدواء، وهو سيد المتوكلين - صلى الله عليه وسلم -.

الفائدة الثانية: قوله - صلى الله عليه وسلم: «لكل داء دواء» له محملان:

الأول: أن يكون على عمومه حتى يتناول الأدواء القاتلة التي لا يمكن لطبيب أن يبرئها، ويكون الله عزوجل قد جعل لها أدوية تبرئها، ولكن جهلها كثير من الناس، ولم يجدوا لهم إليها سبيلًا، إذ لا علم للخلق إلا ما علمهم الله، ولهذا علق النبي - صلى الله عليه وسلم - الشفاء على مصادفة الدواء للداء، فإنه لا شيء من المخلوقات إلا له ضد، وكل داء له ضد من الدواء يعالج بضده، فعلق النبي - صلى الله عليه وسلم - البرء بموافقة الداء للدواء، وهذا قدر زائد على مجرد وجوده.

قال المازري: وبقراط يقول: الأشياء تداوي بأضدادها، ولكن تدق وتغمض حقيقة المرض، وحقيقة طبع العقار، والدواء المركب، فتقل الثقة بالمضادة التي هي الشفاء، ومن ههنا يقع الخطأ من الطبيب، فقد يظن العلة عن مادة حارة، وتكون عن غير مادة أصلًا، أو مادة باردة، أو حارة دون الحرارة التي قدر، فلا يكون الشفاء، فكأنه - صلى الله عليه وسلم - تلافى بآخر كلامه - يعني قوله: فإذا أصيب دواء الداء برئ بإذن الله - ما قد يعارض به أوله، يعني قوله لكل داء دواء، بأن يقال: فإنك قلت لكل داء دواء، ونحن

(1) المغفر بكسر الميم ما يلبس تحت بيضة الحديد على الرأس، وأصله من الستر. انظر: المصباح المنير (2/ 449) ، ولسان العرب (5/ 25) .

(2) انظر: تهذيب سيرة ابن هشام ص 144، وزاد المعاد (3/ 52) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت