الصفحة 26 من 127

أن يوردوا مثل هذا. وقد أجابهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بما شفى وكفى فقال: هذه الأدوية من قدر الله، فما خرج شيء عن قدره، بل يرد قدره بقدره، وهذا الرد من قدره، فلا سبيل إلى الخروج عن قدره بوجه ما، وهذا كرد قدر الجوع، والعطش، والحر، والبرد، بأضدادها، وكرد قدر العدو، بالجهاد [1] .

فتبين بهذا كله أن التداوي لا ينافي القدر، كما أنه لا ينافي التوكل، بل يوافقه، بل لا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله مقتضيات لمسبباتها، قدرًا وشرعًا، وأن تعطيلها يقدح في نفس التوكل، كما يقدح في الأمر والحكمة، ويضعفه من حيث يظن معطلها أن تركها أقوى في التوكل، والحاصل أن تركها عجز ينافي التوكل الذي حقيقته اعتماد القلب على الله، في حصول ما ينفع العبد في دينه ودنياه، ودفع ما يضره في دينه ودنياه، ولا بد مع هذا الاعتماد من مباشرة الأسباب، وإلا كان معطلًا للحكمة والشرع، فلا يجعل العبد عجزه توكلًا، ولا توكله عجزًا [2] .

قال البغدادي: التوكل اعتماد القلب على الله، وذلك - يعني التداوي - لا ينافي الأسباب، ولا التسبب، فغالب التسبب ملازم للتوكل، فإن المعالج الحاذق يعمل ما ينبغي، ثم يتوكل على الله في نجاحه، وكذلك الفلاح يحرث، ويبذر، ثم يتوكل على الله في نمائه، بنزول الغيث [3] .

ولا شك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان المثل الأعلى في التوكل وتحقيق التوحيد وكمال العبودية، وكان مع ذلك يأخذ بالأسباب حيث أعد الزاد والراحلة والدليل في هجرته،

(1) من كلام ابن القيم في زاد المعاد (4/ 15، 16) .

(2) زاد المعاد (4/ 15) وفيه تصرف يسير.

(3) الطب النبوي ص 183.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت