الصفحة 24 من 127

وهذا النوع المكروه مثل استخدام الكي عند عدم الحاجة إليه، أو عندما لا يكون مجديًا بل مضرًا مهيجًا للطبيعة، أشار إليه القرافي [1] .

ومن تأمل الحديث لم يجد فيه دليلًا على منع التداوي، ولكنه دل على أن الأفضل ترك الاسترقاء، وهو طلب الرقية، تحقيقًا لكمال التوكل، فلا يعني ذلك ترك التداوي، بل الذي قال: «لا يسترقون» ، هو الذي قال: «تداووا»

أما الكي فكراهته من جهة مشابهته للعذاب بالنار، أو لما فيه من الألم المؤكد، والنفع المتوهم أحيانًا، وأما عند تعينه دواءً، أو غلبة الظن بنفعه فيباح.

وأختم الكلام على هذا المبحث بفائدتين:

الفائدة الأولى: التداوي لا ينافي التوكل:

ذهب جماعة من المتصوفة إلى أن من تمام الولاية الاستسلام للمرض، وعدم البحث عن الدواء، فأنكروا التداوي، وقالوا: كل شيء بقضاء وقدر فلا حاجة للتداوي، ورأوا أنه مناف للتوكل. وحجة أهل العلم عليهم الأحاديث الصحيحة التي فيها الأمر بالتداوي، ومباشرة النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك. وأن الله تعالى هو خالق الداء والدواء، وأن التداوي أيضًا من قدر الله، فقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل: يا رسول الله أرأيت رقي نسترقيها، ودواءً نتداوى به، وتقاةً نتقيها، هل ترد من قدر الله شيئًا؟ قال: «هي من قدر الله» [2] .

(1) الذخيرة (13/ 308) .

(2) أخرجه الترمذي (4/ 399) قال: حدثنا سعيد بن عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن الزهري، عن أبي خِزامة (وفي نسخة عن ابن أبي خزامة) عن أبيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. وقال: هذا حديث حسن صحيح، وفي نسخة قال: هذا حديث حسن. قال: وقد رُوي عن ابن عيينة كلا الروايتين، وقال بعضهم عن أبي خزامة عن أبيه، وقال بعضهم عن ابن أبي خزامة عن أبيه قال: وقد روى غير أبن عيينة هذا الحديث عن الزهري، عن أبي خزامة عن أبيه وهذا أصح، ولا نعرف لأبي خزامة عن أبيه =غير هذا الحديث 1 هـ. [وهذه المتابعة التي أشار إليها الترمذي لسفيان عن الزهري رواها صالح بن كيسان عن الزهري أن أبا خزامة حدثه عن أبيه ... فذكر الحديث. أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (2611، 2610) من طريق ابن الأثير في أسد الغابة (1/ 395) . وهذا الاختلاف على الزهري منه، فقد أخرج الدولابي في الكنى عنه، قال: ... (أما إني لم أتقنه) ] 1هـ من تخريج كتاب الأمراض والكفارات ص 164، هـ86. وقال المزي في تحفة الأشراف (12/ 152) : رواه مالك، ويونس بن يزيد، وعمرو بن الحارث، والأوزاعي، عن أبي خزامة عن أبيه. وقال في تهذيب الكمال (34/ 438) : وقيل أبو خزامة عن أبيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو الصحيح 1هـ، مع أنه قال في موضع آخر (33/ 279) : عن أبي خزامة له صحبة 1هـ، فإما أن يكون هو وأبوه صحابيين، أو يكون المزي رحمه الله قد وهم. وقال ابن حجر في التهذيب (12/ 85) : عن أبي خزامة عن أبيه وهو الصواب.1 هـ.

وأبو خزامة هذا مختلف فيه، قبل ابن يعمر، ذكره مسلم في الطبقة الأولى من أهل المدينة. وقال ابن عبد البر: ذكره بعضهم في الصحابة لحديث أخطأ فيه راويه عن الزهري، وهو تابعي وحديثه مضطرب. وقال ابن حجر: أو خزامة المذكور شيخ الزهري فيه لا نعرف اسمه، واسم أبيه يعمر، وهو الصحابي على الصواب. وقال الذهبي: أو خزامة السعدي صحابي، عنه ولده، قاله الزهري عنه. وذكل الدولابي أن أبا خزامة هو يعمر. وذكره البخاري في تاريخه، وقال: عنه الزهري 1هـ. وقال ابن حبان: يعمر أبو خزامة من بني الحارث بن سعد له صحبة. وقال ابن عبد البر: يعمر السعدي والد أبي خزامة.

انظر: التاريخ الكبير للبخاري ص 434، وجامع الترمذي 4/ 399، 400). والثقات لابن حبان (3/ 449) ، والتاريخ ليحيى بن معين ص 703، والكنى والأسماء للدولابي (1/ 26) ، وتهذيب الكمال للمزي (33/ 279) ، (34/ 438) ، وتحفة الأشراف (12/ 152) ، والاستيعاب لابن عبد البر (3/ 643) ، والكاشف للذهبي (3/ 291) ، وأسد الغابة (5/ 130) ، والإصابة لابن حجر (3/ 232، 631) والتهذيب له (12/ 292) ، والتقريب ص 636، 690.

هكذا اختلف أهل الحديث في هذا الخبر، فمنهم من يجعله عن ابن أبي خزامة عن أبيه، فيجعل أبا خزامة هو الصحابي، كما فعل ابن حبان في الثقات، والدولابي في الكنى، والذهبي في الكاشف., وابنه ابن أبي خزامة مجهول كما قال الترمذي. ومنهم من يجعله عن أبي خزامة عن أبيه يعمر، وهو الصحابي، وأبو خزامة تابعي كما قاله مسلم، وابن عبد البر، وابن حجر، وزاد ابن عبد البر: حديثه مضطرب، قال في أسد الغابة كنيته أبو خزامة، قاله أبو نعيم، وقيل هو والد أبي خزامة، وهو الصواب، قاله ابن منده، وأبو نعيم. وعلى كل حال فالحديث في إسناده مجهول، وقد حسنه الألباني في تخريج أحاديث مشكلة الفقر ص 13 - 15، بعد أن ذكر له شواهد يتقوى بها، فانظره هناك، وحسنه أبو إسحاق الحويني في تخريج كتاب الأمراض والكفارات لضياء الدين المقدسي في الموضع المتقدم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت