قال ابن جرير الطبري: ( وإنما ذم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تلك العيون الغافلة عن الله تعالى فسماها حاسدة فقال: {ومن شر حاسد إذا حسد} فإنما سمي حاسدا؛ لأنه يحصد الأشياء حصدا ويستأصلها بسوء نظرته العاجزة عن الله تعالى, والسين والصاد يعتقبان يجزئ أحدها عن الآخر كقولك:(صراط وسراط) ,فإن قال قائل: فإن كان هذا الناظر بغفلته هو الجاني فما بال المنظور إليه؟ قيل: ليس له ذا عقوبة، ولكن هذا تدبير الله تعالى في عباده, ألا يرى أن الساحر يسحر بأَخْذَته فيخلص الضرر إلى من سحره حتى يعالج! وكذلك فُعل برسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أنزلت عليه المعوذتان، فكان جبرائيل - عليه السلام - يقرأ كل آية ويحل عقدة، وذلك قوله تعالى: (ومن شر النفاثات في العقد) فالساحر يعقد وينفث، فيؤخذ بها أعضاء من يقصده بذلك، فكذلك هذا يخلص إليه ضرر نظرته المشوبة بالإعجاب حتى يأخذه, فما ظنك بمن يغتسل بأنوار كلمات الله - عز وجل - وكان ذلك أيضا كثوب نفض من غباره وخلص من شوكه وتباعد من الزهومات [1] فعاد طريا طيبا فخرجت نفسه إلى الله في منامه، كذلك هذا سوى الاستغفار والتوبة والتسبيح والدعاء الذي أشار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للأمة ثم منامهم، وإنما اختار هذه القلات [2]
(1) الزُّهمة:الريح المنتنة, مختار الصحاح للرازي باب زهق (277) .
(2) القُلَّة:كل شيء أعلاه, مختار الصحاح (باب قلح:548) وقد قصد بن جرير هنا (المعوذات) ..