ومن هذا المستوى أيضًا، قوله يفخر، ويصف [1] : -
ولمّا هَبَطْنَا الغَيْثَ تُذْعَرُ وحْشُه ُ ... على كُلِّ خَوَّارِ العِنان ِ أَسِيل ِ
فابن شهيد يفخر بفروسيته في سياق يحب ذكره والتغني به، حيث يصف جمال الأندلس ونعيمها، فقد ذكر الغيث وأراد الأرض المخصبة، والعلاقة السببية فالغيث سبب في صلاح الأرض، وفي قوله"على كل خوار العنان أسيل"ذكر الصفة وأراد الموصوف وهو الخيل الأصيلة، وهذه من الصفات الكريمة في الخيل فخوار العنان أي"الفرس لين العطف"، وأسيل"السبط المسترسل، ويستحب الإسالة في خدّ الفرس وهي دليل الكرم" [2] .
فالشاعر جدد في الصورة التي أعتاد القارئ للأدب العربي مطالعتها في الأبيات الشعرية - وهي مجازية الغيث في الدلالة على الأرض المخصبة - إذ دمج معها مجاز آخر تمثل في الخيل وقوته، فعكس جمال تلك الصورة التي رسمها، ودلل على قوتها باستخدامه للألفاظ المجازية، وأسلوب الكناية في قوله"تذعر وحشه".
وهي صورة فخرية تآزر فيها الجمال الطبيعي، والقوة الحسية في الخيل، والنفسية في إفزاع الوحش، وذلك غاية ما في القوة والإقدام الذي يعبر عنه ويثبته ابن شهيد دومًا.
ففي المجاز المرسل إذًا يهدف الشاعر إلى إثراء العمل الفني بما يحدثه من الحاجة للفكر والتأمل في الصورة عند ذكر اللازم وإرادة الملزوم، وبما يستخدمه من صياغات متنوعة تنبع من العلاقات المجازية المتعددة في التعبير، وهو أقل الصور البيانية ظهورًا في شعر ابن شهيد، وعلى قلته فقد تميز بتعددية العلاقات، واختلافها في سياق نصوصه الشعرية، كما تميز بالتباين في مستويات أدائه البلاغية.
وعلى الرغم من أن أسلوب المجاز المرسل من أقل الأساليب البيانية التي صاغ في سياقها ابن شهيد معانيه، وأغراضه، فقد ينحصر أدائه البلاغي ما بين المستويين السابقين، فكان لونًا فنيًا، يعكس جانبًا من الصفات الشخصية، والأحوال الانفعالية، التي يؤلف فيها الشاعر بين جمال الخيال وتأثيره، وواقع الحقيقة وصدق الصورة،
(1) ديوان ابن شهيد، ص: 140.
(2) لسان العرب مادة خور، أسل.