الصفحة 94 من 232

وأثر فيهم بتصرف، وجبروت، فجعل الأعناق تتمايل بما تحمله من رؤوس كريمة والأجسام مثقلة خائرة القوى بلا حراك، فتصوير الجو الفائر للخمر، وحال شاربيه من فوضوية الحركة، وفقدان السيطرة، والهوس النفسي والعقلي، لا يظهر بكامل تفاصيله ودقائق معاني العشوائية والضياع في المجاز المرسل الذي يصف الأعناق المائلة، والرؤوس الكريمة المقبلة على الخمر المثقلة بعد احتسائه، على ما فيه من ازدراء، وسيطرة حتى على عليَّة القوم، -"فما زال مائلًا برأس كريم منهم وتليل"والرأس هنا مجاز مرسل عن القوة، والرأي، فذكر المحل وأراد الحال فيه وهو الرأي والفكر، والتليل وهو العنق فهو مجاز مرسل عن الجسم فذكر الجزء وأراد الكل -؛ بقدر ما تصوره الصورة السابقة في قوله: -

وتَرنَّمت فيها القيا ... نُ لنا ورجَّعتِ البواغمِ

قُمنا نُصَفِّقُ بالأكُفِّ ... لها ونَرقُصُ بالجماجِمْ

ومن هذا المستوى الثاني في سياق الأداء البلاغي للمجاز المرسل في شعر ابن شهيد، أن يكون المجاز مما شاع استخدامه، وتعارف عليه، ومما توارد ذكره في ديوان ابن شهيد كثيرًا، كقوله يذكر ابن حزم [1] [2] : -

فَمن مُبْلِغٌ عَني ابْنَ حَزْمٍ وكانَ لي ... يَدًا في مُلِمَّاتِي وعِنْدَ مَضَايِقِي؟

فتلك رسالة يتوجه بها ابن شهيد لصديقه أبي محمد بن حزم، في علته التي مات بها، وفيها يشيد بفضله عليه، ويتذكر مواقفه المشرفة منه في حياته، فهو يطلب من ينقل عنه السلام إليه، وقد بلغ وقت نزوحه للآخرة، وأنه في خضم ذلك النزوح ما زال يتذكر فضله، ويحفظ له معروفه ووده، والذي عبر عنه بالمجاز المرسل في قوله:"كان لي يدًا"، فذكر اليد وأراد المعاونة والمؤازرة، له في الخطوب، والملمات في الحياة، وإسداء المعروف والخير، بعلاقته السببية، إذ ذكر

(1) (*) أبو محمد بن حزم حامل فنون الحديث والفقه، والجدل والنسب، وما يتعلق بالأدب، مال للمذهب الشافعي، ونسب إليه، ثم عدل إلى قول أصحاب الظاهرية، كان يحمل علمه ويجادل من خالفه، سفه فقها وقته حتى اجمعوا على تضليله، وحذروا سلاطينهم منه، تشيع لأمراء بني أمية، توفي 456 هـ، وممن صحب ابن شهيد وراسله، وشكا إليه الأخير خوف الموت وشدة المرض، يُنظر الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة، ق1، م1، ص: 167.

(2) المرجع السابق، ص: 134.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت