منها أخص أجزاء العين، وأشدها ضرورة في النظر، وذلك على سبيل تعانق الكناية مع المجاز المرسل في بيان عظيم الردِّ، وقوة المنافحة، وشدة سدادها.
ومثله قوله [1] : -
وأَوْجعُ مَظْلومٍ لقَلْبٍ وذِي حِجَى ... فَتى عَربيٌّ تزدريهِ أَعاجِمُ
عتب الشاعر على زمانه أن جعل لهؤلاء الأعاجم قدرة وسيطرة عليه وهو فتى عربي، فكان ذلك سببًا من أسباب الضجر والتذمر المسيطر على حياته، فعبر عنه بالمجاز المرسل في قوله:"أوجع مظلوم لقلب وذي حجة"فالقلب والعقل مواطن الألم والإحساس بالذل عند الشاعر، وهو ما ذكره وأسند إليه الوجع، فدل بذلك على حالة من الحزن واليأس تسيطر عليه، إذ ذكر المكان وأراد ما يكون فيه ويختص به من القدرة على الإحساس المفعم بالشعور الحزين الغاضب على سبيل المجاز المرسل وعلاقته المحلية.
وإذا ما أراد بذلك الوصف بيان حال نفسه فيكون قد ذكر من أجزاء تلك النفس ما كان أشدَّ تعلقًا بالألم وأكثر تأثرًا بالازدراء.
وأقرب من ذلك صورة، وأيسر إحساسًا بتأثيرات المعنى، أن يأتي المجاز المرسل ليصف حالة من الفوضى، والتذبذب النفسي والحسي بعد احتساء الخمر، في مستوى من الأداء البلاغي للصياغة الفنية، لا يحمل من تفاصيل الصورة بقدر ما يمكن أن يصف فيه مجلس الخمر المترنح، كقوله [2] : -
وشَعْشَعَ راحَيْه فما زالَ مائِلًا ... برأَسٍ كَرِيمٍ منهُمُ وتَليِل
شعشع الشراب مزجه بقليل من الماء، والمعنى هنا نشره، والراح أي الخمر، والتليل العنق. [3] .
إن معنى القوة في الصورة يظهر في سيطرة الخمر وتفوقه على القدرة البشرية الضعيفة عن مقاومته، فقد طغى على الحاضرين وأخذ منهم كل مأخذ،
(1) ديوان ابن شهيد، ص: 154.
(2) المرجع السابق، ص: 141.
(3) لسان العرب مادة: شعشع، راح، تليل.