الصفحة 92 من 232

رمي القلانس، وجر عذب العمائم، وتركها تتهاوى من فوق الرأس كما تتهاوى معها العقول، والنفوس؛ ثم أعقب ذلك الحال بوصف لحال هو أشد اضطراب، وصخب فقد ترنمت القيان وتبعها ترجيع البواغم، وعلت الأصوات ليصل الشاعر بعد ذلك إلى تصوير حالة اللهو المتصدع في أرجاء الوجود من حولهم فقال:"قمنا نصفق بالأكف"وهم في حركة عشوائية تصف مقدار ما كانوا فيه من نشوة السُكر:"ونرقص بالجماجم"، والجماجم هنا مجاز مرسل عن الجسم، بعلاقته الجزئية فقد ذكر الجزء وهو"الجماجم"وأراد الكل"الأجسام"، وإنما خصها الشاعر بالذكر ليبين ما فعله السكر من ضياع العقل الذي تحويه تلك الجماجم فترك الجسم بعدها بغير ثبات وعلى غير هدى، وهو تصوير يتضمن وصفًا لكل ما يحيط بذلك الوضع من معاني الحركة، وفقدان السيطرة، والعشوائية التي أراد الشاعر وصفها. إذ الجماجم ترقص، فلا بد من تحرك الأجسام في غير ثبات، وهي مجتمعة"جماجم، وأكف"فالجو فيها ملئ بالفوضى والصخب.

ومن هذا المستوى الرفيع في الأداء البلاغي للمجاز المرسل في شعر ابن شهيد، أن تظهر فيه خصوصية الوصف، والدقة في التصوير، والمبالغة في المعنى، كقوله ينافح عن نفسه في وجه حساده، والساخطين عليه [1] : -

ما أحْولَّ نَحْوِي لَحْظُ مُقْلَةِ ساخِطٍ ... إِلاَّ وضَعْتُ السَّهْم في إِنْسانِهَا

فشخصية ابن شهيد الثائرة، الحانقة على منتقديه، وخاصة أبناء عصره، تظهر في سياق الصورة التمثيلية، فهو مستعد، ومتأهب للرد على كل من تسول له نفسه انتقاده، أو الشروع في الأخذ عليه، والسخط منه، فمجرد محاولة الالتفات إليه بنظرة تحمل معنى الانتقاد، أو السخط،"ما أحول نحوي لحظ مقلة ساخط"، يعده إيذانًا ببدء التأهب للدفاع عن النفس، وتحذيرًا لمقابله بالويل والثبور"إلا وضعت السهم في إنسانها"، وقد بالغ الشاعر في مظاهر التصدي والمنافحة، إذ استعار لوسيلة الدفاع القولية صفة حسية، أكثر دلالة على القوة في الدفاع والهجوم وهو"السهم"، ثم بالغ في عرض شدة النقد، وعمق الحجة والمنافحة، إذ خصص من عين الساخط إنسانها، وهو مجاز مرسل ذكر فيه الجزء، وأراد الكل، وإنما ذكر

(1) ديوان ابن شهيد، ص: 167.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت