الصفحة 91 من 232

ويكشفون عن عمق ذلك الإبداع"وغاصوا على سري"، غير أن ما كانوا يمتلكونه من قدرة بسيطة قصرت بهم عن بلوغ مداه البلاغي، والقولي، فوقفوا دونه عاجزين"فأعياهم أمري", وهذا البيت إنما يدعَم في البيان والفصاحة، والتأثير النفسي الذي يحدثه المجاز المرسل في البيت السابق. فتلك المقابلة المعنوية، التي تأتي في سياق الكناية إنما هي دليل من دلائل القدرة الأدبية التي حصل بسببها لابن شهيد الحقد، والحسد من معاصريه.

ومن هذا المستوى الرفيع في أداء المجاز المرسل، أن يأتي ليتمثل في تركيبه هيئة مفصلة ومتحركة لصورة المعنى الذي يتخيله الشاعر ويصفه، كما في قوله يبين عن حاله مع أصحابه، وقد ترك الخمر فيهم أثره البارز [1] : -

وعلا بنا سُكْرٌ أَبى ... إِلاَّ الإِنابة َ لِلْمَحارِمْ

نَرْمِي قَلانِسَنَا له ... ونَجُرُّ مِن عَذَبِ العمائِمْ [2]

وتَرنَّمت فيها القيا ... نُ لنا ورجَّعتِ البواغمِ [3]

قُمنا نُصَفِّقُ بالأكُفِّ ... لها ونَرقُصُ بالجماجِمْ

فالشاعر وجد فيما يبعثه السكر في نفوس متعاطيه من مظاهر السعادة الواهمة، والمرح الحسي المؤقت والذي تمثل في الحركات العشوائية؛ صورة لحال تحرر النفس من العقل، وفقدان الجسم قدرته على التركيز والسيطرة، في هيئة مفصلة وشاملة لخصائص ذلك الجو المليء بالصخب وفوضى الحركة المتذبذبة على غير هدى، فقد بلغ السكر منهم مبلغًا عظيمًا، فقدوا معه القدرة على التركيز، وضبط النفس، والتفريق بين الخير والشر، حتى إنهم رجعوا - في حال سكرهم ذلك - للمحارم، ويبالغ الشاعر في عرض الصورة إذ اسند ذلك الحال منهم إلى السكر، فشخصه بالاستعارة التبعية في قوله"أبى"فكأنما هو شخص قد أحكم قبضته عليهم، وتحكم في تصرفاتهم، ودفعهم للشر دفعًا دون خيار منهم، وفي ذلك الوضع المزري لهم عمت الفوضى في المكان، والتحلل من أسباب ومظاهر الوقار المطلوب يمثلها

(1) المرجع السابق، ص: 156.

(2) العذبة طرف الشيء، يقال عذبة العمامة أي طرفها، المعجم الوجيز مادة عذب.

(3) ترنم من رنم المغني إذ رجع صوته، القيان من القينه وهي المغنية، البواغم من بغمت الظبية، صوتت إلى ولدها بألين صوت، وبغم الحديث لفلان لم يوضحه له، لسان العرب مادة رنم، قين، بغم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت