فمن المستوى العالي أن يأتي المجاز المرسل في صياغة تتضمن المبالغة في عرض المعنى النفسي في سياق التصوير الكنائي المعبر عن شدته، كقوله يشكو غدر الأصحاب [1] : -
وبُلِّغْتُ أقوامًا تجَِيشُ صُدورُهُم ... عليَّ وإني منهُمُ فارغ ُ الصدرِ
أَصاخُوا إِلى قَوْلِي فاسْمَعْت ُ مُعْجِزًا ... وغاصُوا على سِرِّي فأَعْياهُمُ أَمْرِي
ففراغ اليد من الأصحاب، وظلم الإخوان في مقابل صفاء النية التي يصرح بها الشاعر، هو المعنى الذي يجد فيه ابن شهيد مصدر الحزن والألم العميق، فبالغ في وصف الحقد والغيظ الذي تحمله تلك النفوس عليه، في أسلوب المجاز المرسل في قوله:"تجيش صدورهم"وعلاقته المحلية، فقد ذكر المحل وهو"الصدور"وأراد الحال فيه وهو القلب وما يحمله من حزن وضيم، وفي الصورة كناية عن بالغ الحقد والبغض، فالشاعر إنما أراد بيان مدى امتلاء القلب به حتى أنه قد فاض على الصدر الذي هو محل القلب ومحيطه، وفيه مبالغة في تصوير قدر ذلك الحقد والغيظ من أصحابه، وكأن الضلوع تتحرك مع القلوب وتجيش بشدة الحقد والبغض، في مقابل سلامة نفسه، وكرم طباعه، الذي أوضحه في المجاز المرسل في قوله: ..."وإني منهم فارغ الصدر"وفراغ الصدر أي خلوه من الغيظ والكراهية، فهو إنما يذكر هنا المحل ويريد الحال فيها وهو القلب، لكونه مجمع الأضغان، ومكان صفاء النية، وفي ذلك أيضًا كناية عن المبالغة في وصف سلامة نفسه، وطيب خيمه، وحسن السريرة في موقفه منهم، فقيمة المجاز المرسل وارتقاء مستواه هنا آت من ذات لفظه، ومما وراءه من كناية، ومن نظمه الذي جاء في صورة التضاد الخفي بين الحقد والصفاء.
وفي البيت الثاني يأتي تعليل الشاعر، أو ربما بحثه عن سبب يسلِّ به عن نفسه شعوره بذلك الحقد، والغيظ الذي يفاجئ به من قبل من يعُدَهم أصحابه، ولعلها فخر خفي بقدرته البلاغية، والأدبية في النظم والتعبير، وهو أمر يعُن على ابن شهيد دومًا، ويأخذ بجانب كبير من فكره، ونفسه، فقال"أصاخوا على قولي"فوجدوا ما لا طاقة لهم به من الإبداع"فاسمعت معجزًا"فطرقوا يتتبعون تلك الموهبة،
(1) ديوان ابن شهيد، ص: 114.