الصفحة 85 من 232

وفي ديوان ابن شهيد تأتي في المستوى الثاني من حيث الكم بعد التشبيه، وتعتبر من أرقى مستويات الأداء البلاغي تأثيرًا وقيمة في عرض المعنى، فهي تساعده على توفير ما يريده من خلق التفاعل النفسي والعقلي مع الأحداث والمعاني كما يجدها هو في نفسه ويحاول أن ينقلها ويمثلها في نظمه، فـ"تصويره قريب المأخذ يسير التلوين، تكتنفه المادة ولا يخلو عنه الإحياء والتشخيص" [1] .

لذلك غالبًا ما ينحو ابن شهيد للتشخيص، والتجسيد، وتخيل الهيئات والأشكال في تعبيراته إذ توفر له أوصاف جديدة تناسب تمثلها في نفسه، ورأيه.

وأكثر الأغراض التي أخذ الشاعر في معانيها بالاستعارة كان الوصف، خاصة إذا ما كان مدمجًا مع الطبيعة، أو جاء معبرًا عن نفسية ابن شهيد اللاهية، الساخرة، وعن مواقفه الذاتية، فهو عندئذ يتضمن أوصاف لأحوال تمثل صدق المشاعر، وعمق النظرة الخالصة؛ يليه في ذلك المدح وما يكون موجهًا للعامريين أو المعتلي منه خاصة، ثم الرثاء وهو الغرض الذي تكون فيه الاستعارة صياغة تعبيرية، وتصويرية مميزة عما يدور من معنى حزين في الإطار نفسه من أساليب التشبيه، وذلك لأن إحساس الشاعر بالخوف من الموت والألم الذي يغص به بسبب العلة التي ألمت بجسمه تطبع نظرته الخيالية بخلفية الحزن والألم، وتحصر انفعالاته وتصوراته الفنية في نطاق ضيق من الضجر واليأس البالغ، ثم الفخر والهجاء، وهنا يبرز جليًا شعور العظمة الذاتية عند ابن شهيد فيكون مسيطرًا عليه وآخذًا بفكره، فيحاول جاهدًا تمثله حيًا محسوسًا للمتلقي، ولإثارته في نفس أعدائه، بينما يقل مستوى ظهور الأداء الاستعاري في أغراض الغزل والعتاب والخمريات والشكوى، ويعزى ذلك لضعف الانفعال النفسي الذي يدفعه للتخيل والتصوير الاستعاري، وقلة بروز هذه الأغراض في ديوانه.

كما أن تنوع الصياغات في الصورة الاستعارية مما يعد مظهرًا فنيا، وبلاغيًا من مظاهر تباين مستويات أدائه البلاغي في الديوان، فمن المستوى الراقي أن تأتي الصور في سياق الاستعارة المكنية، والمكنية المرشحة، والتمثيلية، خاصة إذا ما أتت لتعبر عن المعاني النفسية، وأغراض المدح والرثاء، والهجاء.

(1) أدباء العرب في الأندلس عصر الإنبعاث، بطرس البستاني، دار مارون عبود، ج 3، ص: 43.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت