والصورة الثانية تؤكد ذلك المعنى، وتبينه بوصف آخر أشد بشاعة، وتنفيرا، إذ استعار لهيئته تلك هيئة من أكل من لحم الخارجين، ورشح الاستعارة بما يزيد معه المعنى سوءا، وقبحًا، فقد أخصبت حاله بعد ذلك الأكل، وبلغه الزمان شفائه من سقمه وضيقه وضجره منهم.
وهنا تظهر شخصية ابن شهيد الحانقة، والمنتقمة في أبشع صورها، وأردى تعابيرها، وصياغاتها، إذ روي ليس من الماء بل من دم ِ الخصوم والأعداء، وأكل ليس من الطعام، ولكن من لحم المارقين، ومن ذلك الشرب والطعام أخصبت حال نفسه وشفيت من الغيظ على أعدائه.
فالصورة تنفث بعظيم الحقد، والكره في نفس ابن شهيد تجاه الفقهاء وتنقل للمتلقي صورة بشعة، مقززة تنفر منها نفسه.
وإن كان ذلك مستوى من الأداء الفني، والتعبير المعنوي، والصياغة الأسلوبية لا يكاد يظهر إلا نزرًا في نظم ابن شهيد الأندلسي، إلا أنه يعتبر أسلوبًا تعبيريًا، وصياغة تصويرية تظهر بين حين وآخر في ديوان الشاعر، لتبين عن شخصيته الإنسانية، وقدرته التخيلية.
وأخيرًا فإن الاستعارة هي"إدعاء معنى الاسم لشيءٍ" [1] ، ونقل اللفظ إليه بخصائصه المعنوية، ومميزاته التخيلية، بحيث يصبح المستعار له من جنس المستعار منه وآخذًا بصورته في العقل والحس.
وصور الاستعارة في نظم ابن شهيد الأندلسي من أهم سبل التعبير الفني، والتصوير البلاغي، فهي الوصف الانفعالي، والحسي المبالغ في معانيه، المتضمن في أغراضه على التمازج بين الطبيعة والذات، والمعتمد في نسج تفاصيله وأحداثه على آفاق الخيال.
فالاستعارة من الأساليب الأدبية التي تخالط النفس والوجدان، وتعبر عن أحواله، وتتمثل تقلبات الفكر ومنطقية الرأي، والتوجهات. فتباين أساليبها ومستويات أدائها إنما ينشأ من تباين الأفكار، والانفعالات، والرؤى.
(1) دلائل الإعجاز، ص: 434.