الموسيقي، غير أن عدم القدرة أعجزته عن الاهتزاز والترنم، وهنا تظهر الاستعارة في تشخيص المزهر الذي وصف صوته بـ"الولولة"وهي من صفات الإنسان، ولعل معنى الولولة لا يتناسب مع آلة الطرب"المزهر"، وإنما هي خلفية خيال الشاعر إذ وجد ذلك الصوت الطربِ من المزهر لشدة أحزانه وآلامه ولولة، وعلى الرغم من ذلك فإنه لا يتوافق مع ما تعرض له القصيدة من وصف الخمر، فضلًا عن أن تكون مقدمة للمدح، فكيف به يوفق في الجمع بين المدح، والحزن.
وقد تتضمن الاستعارة على وصف وصورة، ينبو عنها الطبع، وينفر منها التصور والخيال، فتكون من أضعف مستويات الأداء البلاغي، كقوله في مدح المعتد [1] وهجاء الفقهاء [2] : -
أَحْلَلْتَنِي بمَحَلَّةِ الجَوْزاءِ ... ورَويتُ عِنْدَكَ مِن دَمِ الأَعْدَاءِ
وطَعِمْتُ لَحْمَ المارقينَ فَأَخْصَبَتْ ... حالِي وبَلَّغَنِي الزَّمَانُ شِفائِي
فقد رفع المعتد منزلته، وأعلى قدره، ونصره على مغرضيه من الفقهاء، والوزراء، وأنزله في علية القوم، في مكانة لا يرقى إليها إلا الخاصة، فكانت أشبه بمحلة الجوزاء في السماء أولًا، وبين النجوم ثانيًا - ومن واقع تلك المنزلة العالية - فقد عبر بصراحة عن تسلطه على أعدائه، وانتقامه من منافسيه، فاستعار استعارة تمثيلية، لهيئة نواله منهم، وقدرته على الفتك بهم باسم الخليفة؛ هيئة من روي من دم الأعداء، وفي ذلك كناية عن عظيم ما يشعر به ابن شهيد من غيظ وحنق على أولئك الأعداء، وتجاه هؤلاء المنافسين، ومدى ما يوفره عقاب الخليفة لهم من السعادة في الانتقام عنده.
(1) (*) هو هشام بن محمد الناصري أمير قرطبة، الملقب من الألقاب السلطانية بالمعتد، وقد كان معروفًا بالشطارة في شبابه، فأقلع مع شيبه، فرجي فلاحه فجاء متخلفًا عن جميع ما قدر فيه وظُنَّ عنده، وكانت بيعته في سهولة أسرع الناس إليها، افتتحت بإجماع وختمت بفرقة، وعقدت برضا وحلت بكراهية، وكان من وزرائه حكم بن سعيد المرتقي ذروة الوزارة من الحياكة، وانخرط في سلك من كان يؤيد المعتد على تلك الهنات والموبقات زاد في رزق الفقهاء والمشيخة من مال العين، فقبلوا ذلك على خَبُثَ أصله وتساهلوا في مأكل لم يستطبه فقيه قبلهم، فخلع من الخلافة والملك على يد ابن جهور. الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة، ق3، م1 ص: 515.
(2) ديوان ابن شهيد، ص: 81.