وفي البيت الثاني تأتي استعارة"الكف"للموت معبرة عن استحكام قوته على نفسه وشدة القبض عليها، وجرد الاستعارة فوصف الصورة المركبة الاستعارية"كف الموت"في وصف غاية في المبالغة والقوة فقال:"وكف الموت يخلع نفسه"وما في معنى الخلع من القسوة والألم، والشاعر تتنازعه قوتان قوة الألم الذي يخلع نفسه وقوة الحب الذي يسكن تلك النفس، لكن الحب ولى ولم يعد له قيمة، وهذا ما يهوِّن فقد النفس عليه"وداخلها حبُُُُُّ يهون ثكلها".
ويمكننا القول أن الصورة الثانية كانت أوضح دلالة على عمق التجربة الانفعالية للشاعر التي يملؤها الحزن على نفسه نتيجة إحساسه بدنو أجله واقترابه من الموت وأن ما يذكره من صور الغزل وحب الدنيا في السياق، قد يعبر عن رغبته في الهروب من تذكر الموت بذكر الحياة وما فيها، وقد يكون نتيجة شعور عميق تجاه تلك الحياة وحزن على فقدها فيعرض له عند تذكر الموت، فكأنه صورة أخرى لشدة الحزن والألم. والذي يظهر في الصورة الثانية بشكل كبير ليوضح عمق إحساسه باقتراب الموت وفقد الحياة.
وهذا المستوى من الاستعارات لا يتجاوز النطاق الضيق في التعبير الخيالي، والوصف البياني في شعر ابن شهيد الأندلسي، إذ ما قورن بالمستوى الأول.
وأقل منه قيمة، ونسبة في الديوان، أن لا يتناسب اللفظ المستعار مع المستعار له، وما يحمله من واقع، وما يتركه من أثر، من ذلك قوله [1] : -
وَلْوَلَ المِزْهَرُ يَنْفِي كُرَبي ... وَتَطَرَّبْتُ فأَعْيا طَرَبي [2]
فالبيت يأتي في سياق مقدمة خمرية افتتح بها ابن شهيد قصيدته في مدح عبد العزيز المؤتمن، ويقول أن صوت المزهر إذا ترنم أتى لينفي عنه الكرب، ويخفف من آلامه، وأحزانه، فهو يحاول عندها جاهدًا أن يستخف للطرب بذلك الصوت
(1) ديوان ابن شهيد، ص: 92.
(2) ولولت المرأة ولولة وولوالا: دعت بالويل، الولوال: الدعاء بالويل، المعجم الوجيز، مادة ولول، المزهر: العود الذي يضرب به، وهو أحد آلات الطرب، المعجم الوجيز، مادة زهر. أعيا عليه الأمر: أعجزه فلم يهتد لوجهه، المعجم الوجيز، مادة عيا، طرب منه أو له خفَّ واهتز من فرح وسرور، أو من حزن وغم، وهو هنا إنما أراد به الفرح، والسرور، فقد أعيا عليه وصعب الشعور بذلك الطرب لشدة الحزن، فلو كان مراده الحزن والألم، لما أعيا عليه ذلك، المعجم الوجيز مادة طرب.