والسوق، استعارة مكنية، حذف فيها المشبه به"الإنسان"وذكر أخص صفاتها الدالة على القبض والقوة وهو"الكف"، ولكراهيته له، ونفوره منه تخيل أن تلك الاستعارة حقيقية، فكأن لذلك الموت كف لها من الأثر ما لها عند الشاعر، فعبر عن تلك القسوة، والسطوة بالترشيح في وصف كف الموت بأنها مزعجة"تزعجني"، وما زالت نفسه على ذلك تذكر ما مضى من أيامه مع الأصحاب بما فيها من مظاهر سعادة ولهو، فيقول:"عن الحياة وفي قلبي لكم ذكر"والتي نلمح فيها إشارة خفية وبعيدة لرغبة الشاعر في أن يثير في أصحابه ذكرى فترة انقضت ما تزال في نفسه عالقة، فيطلب منهم الاسترحام خوفًا من العاقبة؛ ورغبة ملحة في الحياة، وكأنه بذلك يصبر النفس ويسليها بذكر ما مضى وانقضى من عمر، والتعبير عن قوة وقع الموت في نفس الشاعر بالكف، استعارة اعتاد القارئ لديوان ابن شهيد مطالعتها كثيرًا، وذلك مما أضعف من قيمتها هنا، خاصة وأنها في سياقات أخرى ترتفع صياغاتها، وتتميز بما تأتي به من بديع العرض، والقدرة على التأثير.
كقوله من الاستعارة المجردة [1] : -
عَلَيْكُمُ سلامٌ مِن فَتَى عضَّهُ الرَّدى ... ولم ينْس عيْنًا أَثْبَتَتْ فيه نَبْلَهَا
يُبِينُ وكَفُ الموْتِ يَخْلَعُ نَفْسه ... وداخلُهَا حُبٌّ يُهوِّنُ ثَكْلَها
فالشاعر يخص إخوانه بفضل السلام، والتحية في حال من اليأس والألم، كان فيها الردى يهجم عليه ويُحكم فيه أمره ويستشعر معه الألم ودنو الأجل، فأخذ يذكره برغبته في الحياة، فقال معبرًا عن جانب من جوانب لهوه السالف، فيذكر صورة للغزل الذي كان فيه"ولم أنس عينًا أثبتت فيه نبلها"أي لم ينس المحبوبة التي رمته بسهام عيونها، فاستعار لنظر العين النبل، وذلك يتناسب مع شعوره بالخوف وافتراس الموت له، والذي عبر عنه بالاستعارة المكنية في"عضه"وهي من صفات الوحوش المفترسة، طوى ذكر المشبه به، وذكر وصفه وهو"العض"، غير أنه له فضل تعلق بذلك الحب وهو في تلك الحالة، فقد يرى أن هلاكه سيكون بسبب من الموت أو بسبب من الهوى.
(1) ديوان ابن شهيد، ص: 145. والاستعارة المجرد هي التي قرنت بما يلائم المستعار له، يٌنظر المصدر السابق. ج 5، ص: 99.