فاستعار لها"النطق"وهي وسيلة التعبير عما في القلب والفكر، كما عبرت جفونها عما يجول في فكرها، وفي لفظة منعمة كناية عن رقة وترف تلك المحبوبة.
وإذ استعار الشاعر النطق للإفصاح عن مكنون النفس استعارة مكنية تخيليه، حذف المشبه اللسان، وجاء بأخص صفاته وهو النطق؛ فإن بين المستعار له والمستعار منه تناسب شديد يجعل الاستعارة تقترب من الحقيقة، غير أنه جرد ها من قوتها عندما كشف عن المشبَّه وهو الإفصاح في لفظ"الدلالة"في قوله:"فدلت"فكان ذلك سببًا في ضعفها حيث يشترط في حسن الاستعارة أن لا يُدل على التشبيه أو يلمح في الكلام"لأن ذلك يبطل الغرض من الاستعارة أعني ادعاء دخول المشبه في جنس المشبه به لما في التشبيه من الدلالة على أن المشبه به أقوى في وجه الشبه" [1] ، والنطق هو السبيل الحقيقي للإفصاح والدلالة على ما في الخاطر.
كما أن النطق في الدلالة على الخاطر والحال، مما شاع في صور الاستعارة في الأدب العربي، يقول عنه الشيخ عبد القاهر:"وكذلك العين فيها وصف شبيه بالكلام وهو دلالتها بالعلامات التي تظهر فيها وفي نظرها، وخواص أوصاف يحدس بها على ما في القلوب من الإنكار والقبول" [2] .
ومن هذا المستوى أيضًا أن تأتي الاستعارة المكنية مرشحة [3] بوصف لا يتضمن على شدة المبالغة في التصوير، ونقل الانفعال الثائر في نفسه، كقوله يرثي نفسه [4] : -
هذا كِتابِي وكَفُ الموْتُ تُزْعِجُنِي ... عن الحياةِ وفى قََلْبِي لكم ذِكَرُ
تأبى نفس ابن شهيد أن تدرك الموت، وتنفر منه، فهي المحبة للهو، والمسرفة في النعيم، فكان لإحساسه بقرب الأجل، وإطباق شعور الفناء على نفسه أثر في شعره، إذ يجد في الموت عظم السيطرة، وقوة الأخذ، فشخصه في صورة الإنسان المحكم قبضته عليه، فاستعار له"الكف"حيث تتركز القوة، وتكمن شدة القبض
(1) مختصر العلامة سعد الدين التفتازاني، ج4، ص: 223.
(2) أسرار البلاغة، ص: 51.
(3) الاستعارة المرشحة هي التي قرنت بما يلائم المستعار منه، يُنظر الإيضاح في علوم البلاغة، ج5، ص: 99.
(4) ديوان ابن شهيد، ص: 107.