الصفحة 78 من 232

خضوعهم لأهوائهم باستعارة"اليد"على سبيل الاستعارة المكنية التي طوى فيها ذكر المشبه به، الإنسان، وأتى بشيء من لوازمه، التي تعبر عن الغرض أتم تعبير، وأبلغه، وهو اليد ليشير إلى ما لها من كامل التصرف، كما أن للأهواء كامل التصرف والتحكم في نفس الغوي، والعابد من الفقهاء، فكلاهما"اليد، والأهواء"يسيطر على الإنسان ويتحكم فيه مع اختلاف الماهية، وذلك من أسباب جودة الاستعارة، إذ يقول في ذلك ابن رشيق:"إذا استعير للشيء ما يقرب منه ويليق به كان أولى مما ليس منه في شيء" [1] .

ومنه أيضًا أن تأتي استعارتان مكنيتان في بيت واحد كقوله [2] : -

الكُفْرُ عنهْم قاعِدٌ ... قِدْمًا ودِينُ اللهِ قائِمْ

فقوة الإيمان ومولاة الإسلام، والتبرئة من الكفر، هو آكد صفات المدح، وأشدها تأثيرًا في المتلقي، ذلك الوصف خصه الشاعر بآل العامريين، وتمثله في صورة محسوسة متحركة، عندما شخص الكفر بالاستعارة التبعية [3] في قوله:"قاعد"في إشارة إلى أنه فاقد الحركة، ومنعدم الحياة - في عهدهم -، في المقابل شخص دين الله وأهميته في الحياة وحاله القوي المنتشر في عهدهم عندما استعار له الفعل"قائم"استعارة تبعية، وما يمكن أن يعبر عنه القيام من معاني الحركة والانتشار الدائم، فالتشخيص في الصورة أعطى المعنى حركة حية ودائمة تتناسب مع ما أراد أبو عامر أن يوحي به من أن حكم العامريين كان ذا خير ليس على أهل قرطبة فحسب بل وعلى العالم أجمعه، ذلك ما أفادته الاستعارة المكنية في السياق إذ"أن قرينتها إثبات لازم المشبه به للمشبه" [4] فإثبات القيام للدين وهو من لوازم الحياة والقوة في الأبدان، تمثل معنى حركة الإسلام وانتشاره في عهدهم، وإثبات القعود للكفر وهو من دلائل قلة الحيلة، والسكون في الإنسان، تدل على معنى تراجع الكفر عن الانتشار وضعف ظهوره في عهدهم، وبين الصورتين مقابلة تعكس مدى التنافي بين المعنيين، كما تصور بالغ المدح بالتقوى، والمحافظة على أسباب

(1) العمدة في محاسن الأدب والشعر، ج1 ص: 461.

(2) ديوان ابن شهيد، ص: 159.

(3) الاستعارة التبعية هي ما تقع في غير أسماء الأجناس كالأفعال، والحروف، يُنظر مفتاح العلوم، ص: 380.

(4) مختصر العلامة سعد الدين التفتازاني من شروح التلخيص، تحقيق: دار الكتب العربية، ج 4، ص: 200.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت