الصفحة 77 من 232

فقال:"شربت أعطافه خمر الصبا"ورشح الاستعارة، بالصورة التشبيهية التي أضاف فيها المشبه للمشبه به"خمر الصبا", على سبيل المبالغة في المعنى.

وفي الشطر الثاني تشخص ذلك الحسن ليمنح الموصوف الجمال حين استعار له"السقيا"، فقال:"وسقاه الحسن حتى عربدا"ولفظة العربدة هنا تظهر الكثير من المعاني التي تشير إلى غاية التمرد، والصخب، وتجاوز الحد في الجمال، فكان حسن الموصوف في نظر الشاعر ذو جانبين مثيرين: فهو سببٌ للجمال الحسي الزائد، وسببٌ للإثارة النفسية التي يمثلها لفظ العربدة تجاهه، وتجاه الآخرين.

ومن أسباب جمال الصورة الاستعارية في البيت"وملاكها تقريب الشبه ومناسبة المستعار له للمستعار منه , وامتزاج اللفظ بالمعنى , حتى لا يوجد بينهما منافرة , ولا يتبين في أحدهما إعراض عن الآخر" [1] فبين التمايل بفعل نسيم الصبا والتمايل بفعل الخمر تشابه كبير، غير أن الاختلاف فيها يكون في السبب والدافع فقط، فهناك رقة في نسيم الصبا وضعف في الخمر.

ومن هذا المستوى أن تسهم الاستعارة في أن تبين عن غاية الغرض في صورة محسوسة، أقرب للنفس في تأثيرها، وتمثلها، كقوله [2] : -

لا يَرْحَمِ الرَّحْمنُ مَصْرَعَ مارِقٍ ... عَبِثَتْ بِطاعتِهِ يَدُ الأَهْواءِ [3]

فأبو عامر يغري الخليفة المعتد بأن يفتك بالفقهاء في عصره، ويسومهم سوء العذاب، وذلك عندما وصفهم بما يكون سببًا في الانتقاص من قيمتهم، والتهوين من شأنهم، وبما يوجب لهم العقاب دون رحمة أو شفقة، فجعلهم فقهاء تتحكم في طاعتهم أهواؤهم وذلك ما يبعث على السخرية وعدم الثقة في فقههم وعلمهم في حين يتوجب عليهم أن يكونوا محافظين، ملتزمين بالحق، والصلاح قدوة للغير، فهم في رأيه قد خرجوا عن الحق، وتمردوا على الدين، فعبر عن

(1) الوساطة بين المتنبي وخصومه، للقاضي أبو علي الجرجاني، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، وعلي محمد البجاوي، طبع بمطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه، ص: 41.

(2) ديوان ابن شهيد، ص: 81.

(3) المارق: هو الخارج عن القانون. المعجم الوجيز مادة مرق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت