الصفحة 76 من 232

الذي يستر الأرض ويشملها عندما جسده باستعارة"المرط"له استعارة تصريحية [1] ، وتجري السحب تدفعها ريح الصبا، في الأثناء تظهر لها رياح عظيمة فتساقط ما حملته من قطر، لتنثره على الأرض في هيئة أشبه بهيئة الحسناء نثرت من جيدها حبات العقد، ويرسم الشاعر لذلك القطر المتفرق على الربى صورة استعارية، تمثل جماله وصفاءه، فقد استعار"الدر"استعارة تصريحية، ثم أبان عن فعل ريح الصبا فيه وكيف بددته، فاستعار لها"اليد"بعد تشبيهها بالإنسان فهي تتصرف فيه تصرف اليد في تفريق الدر، ولم تقف الصورة عند هذا الحد بل تجاوزته إلى عرض حاله بعد التفريق، فقد تشخصت النَّور لتلتقط ما تفرق منه على الربى، فقال:"فبات النور يلقطه لقطا"وذلك على سبيل الاستعارة التمثيلية [2] . فذلك حسن في الصورة وجمال في الوصف، أظهره للنظر، والعقل، والخيال، عمل التشخيص والتجسيد الاستعاري الذي نسجه الشاعر في السياق.

فجميع تلك الأوصاف والصور المعنوية ترشيح لوصف الغمام بالشخص ذي الكلكل المثقل بالماء، فأسهم بذلك في بلاغة الصورة وروعتها"لاشتماله على تحقيق المبالغة، ولهذا كان مبناه على تناسي التشبيه، حتى أنه يوضع الكلام في علو المنزلة وضعه في علو المكان" [3] .

ومن بلاغة الاستعارة في التصور والتخيل، أن تأتي في سياق الصورة التمثيلية، فتصور دقة الهيئة بتفاصيلها، ومضامينها، وأوصافها، كقوله [4] : -

شَرِبَتْ أَعْطَافُهُ خَمْرَ الصِّبا ... وسَقَاه الحُسْنُ حَتَّى عَرْبَدَا

يرى الشاعر في تثني وتمايل أعطاف الموصوف في رقته ونعومته بعد النشوة بنسيم الصبا حالًا أشبه بحال الشخص الذي سقى من الخمر فتمايل متأثرا بها، وصاغ الصورة صياغة بلاغية فاستعار لتأثر أعطافه بذلك النسيم"الشرب"

(1) الاستعارة التصريحية أن يكون الطرف المذكور من طرفي التشبيه هو المشبه به، المصدر السابق، ص: 373.

(2) الاستعارة التمثلية أن يستعار التركيب الدال على هيئة المشبه به للمشبه، الإيضاح في علوم البلاغة، ج5، ص: 108.

(3) الإيضاح في علوم البلاغة، ج 5، ص: 103.

(4) ديوان ابن شهيد، ص: 103.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت