الصفحة 75 من 232

وعَنَّتْ له رِيحٌ تُسَاقِط ُ قَطْرَهُ ... كما نَثَرَتْ حَسْنَاءُ مِن جِيِدَهَا سِمْطَا [1]

ولم أَرَ دُرًا بَدَّدتُهُ يَدُ الصِّبا ... سِواه، فباتَ النَّوْرُ يَلْقُطُهُ لَقْطَا

فتلك صورة للغمام المحمل بالمطر تبدو لعين الشاعر، فيتوارد وصفه على خاطره، غير أنه وصف ينسج من طبيعة الجمال الفطري للبيئة الأندلسية، حيث الغيم والسحب الكثيفة وما يتبعها من صوت الرعد المتدارك، وما يتخللها من البروق اللامعة في الآفاق، وما يتبع ذلك الغيم من مطر منهمر، وندى، ثم ما يتركه على الربى من زينة، وما يبدعه من منظر كوني وربيعي جميل تلك صورة تأخذ بعض أجزاءها ببعض فترسم لوحة طبيعية غاية في الجمال، وسر الإبداع الآلهي في البيئة الأندلسية، عرض لها الشاعر في صورة حسية مدركة، متمثلة بمبالغاتها للسامع كما يجدها هو في الوجود منسجمة مترابطة يأتي بعضها على إثر بعض، وكما يريد أن ينقلها للمتلقي بتفاصيلها، ودقائقها.

فالرعد القوي والمتتابع، وصفه بأنه"مرتجز"، والسحب مثقلة بالمطر، فاستعار لأولها"الكلكل"وهو الصدر في الإنسان استعارة مكنية [2] ، ورشح الاستعارة إذ وصفها بأنها تلقي بذلك الكلكل على الأشجار العظيمة، لكونه أول ما يستقبل المطر فهو المرتفع من الأرض، وهي في كثرتها بحيث تناهت في مبالغة السقوط والشمول فقال:"وحط بجرعاء الأبارق ما حطا"فنزول المطر عندها لا يحصى قدره وحجمه، ولا يتمكن منه وصف، ثم هي سحب تسعى بقيادة الريح، وتصريف نسيم الصبا فتكسب الطبيعة كساء الخضرة الجميل، عبرت عن ذلك الوصف توالي المجازات في الأبيات، من استعارة"الإلقاء"لسقوط المطر من السحب"ألقت على غير التلاع به مرطا"، ثم جعله على غير التلاع - أي الأماكن المرتفعة - ليشير إلى أن ما كان على الأرض العالية أعظم أثرًا، وأجمل صورة مما وصفه على غيرها من منخفض الروض، ثم في تصوير ذلك الغطاء النباتي المزهر

(1) عن له الشيء عنا ظهر أمامه وأعترض المعجم الوجيز مادة عنَّ. والسمط الخيط المنظوم فيه الخرز. أو القلادة المعجم الوجيز مادة سمط.

(2) الاستعارة المكنية هي أن تذكر المشبه، وتريد المشبه به، دالًا على ذلك بنص قرينة تنصها، انظر مفتاح العلوم، لأبي يعقوب السكاكي، تحقيق: نعيم زرزور، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى 1403هـ 1983م، ص: 378.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت