فجاء رد الحمام محسوسًا متعاطفًا معه، فيما يصدر من حركة جناحيه المتجاوبة العشوائية، والتي استعار لها"التصفيق"، فقال:"فصفق من ريش الجناحين"فما يؤرقه أمر عظيم فقد معه السيطرة على القلب والعقل والجسم، فعلا صوتهما بالبكاء، وما تلك إلا مشاعر متألمة تبعثها عند الشاعر أشواقه لمن يألف ودواعي الفراق، فتحرك في نفسه دوافع الضجر والضيق وتثير مشاعر الحزن والحسرة، حتى شبهها بالوقود تذكي تلك الآلام وتحرك الأشجان كما تذكي الوقود النار.
وبلغ شعور الألم والضجر من الشاعر مبلغًا عظيمًا فتخيله يحيط به ويكتنف الوجود من حوله، فتشخصت حاله في نظرته للجمادات التي جعلها تشعر به وتنعي حاله عندما استعار للجدار"البكاء"استعارة مكنية طوى ذكر المشبه به"الإنسان"وذكر شيء من لوازمه"البكاء"، ولصوت الباب حين يفتح"الإجهاش"وهو البكاء بصوت عالٍ، على سبيل الاستعارة المكنية تجاوز فيها عن المشبه به"الإنسان"وذكر أخص أحواله في الحزن العميق والمؤثر، وهو"الإجهاش"، فعبر بذلك أبلغ تعبير عما يجول في خاطره وقلبه من الألم والحزن العميق حين استطاع أن يوظف الطبيعة في تصوير ذلك الألم والحزن.
ومن أرقى صور الاستعارة أن تترادف الاستعارات ليتم بها الوصف الكامل للصورة فترشح بأوصافها الاستعارة الأولى للصورة [1] ، من ذلك قوله [2] : -
ومُرْتجِزٍ أَلْقى بِذِي الأَثْلِ كَلْكَلًا ... وحَط َّ بجَرْعَاءِ الأَبَارِقِ ما حَطَّا ... [3]
سَعَى في قِيادِ الرِّيح ِيَسْمَحُ للصَّبا ... فأَلْقَتْ على غَيْرِ التِّلاعِ بِهِ مِرْطَا [4]
ومازالَ يُرْوِى التُّرْبَ حَتَّى كَسا الرُّبَى ... دَرانِكَ، والغِيطانَ مِن نَسْجِهِ بُسْطَا [5]
(1) الاستعارة المرشحة هي التي قرنت بما يلائم المستعار منه، الإيضاح في علوم البلاغة، ج 5 ص: 101.
(2) ديوان ابن شهيد الأندلسي، ص: 121.
(3) المرتجز من الرعد ما تدارك صوته، الأثل شجر عظيم، الجرعاء أرض حزنة بها رمل وحجارة لسان العرب مادة رجز، أثل، جرع.
(4) المرط هو كساء من صوف أو خز يؤتزر به، المعجم الوجيز مادة مرط والتلع مجرى الماء من أعلى الوادي والجمع تلاع.، لسان العرب مادة تلع
(5) الدرانك جمع درنك، أي الطنفسة وهي البساط، والغيطان من الغوط وهو المطمئن من الأرض، والبسط النشر من بسط الشيء بسطه أي نشره. لسان العرب مادة درنك، غوط، بسط.