الصفحة 73 من 232

فالصورة الاستعارية هنا أفصحت في أدق تعبير، وأتم غاية، وأبلغها عن معنى شعور الحزن والألم الذي تجيش به نفسه، ويحتمله صدره، وما تركه دمارها وخرابها في نفسه من ضياع وأسى، ويأس.

ومن بديع الاستعارة أن يجسد الشاعر من الوجود، عالمًا خاصًا يختلف في معانيه عن الحقيقة، ويتجدد في تكويناته، فيأتي بصور لا توافق الواقع إلا في نفس ابن شهيد، وهي في ذلك إنما تمثل صورة لما تحتمله عواطفه من انفعالات، كقوله في شكوى السجن [1] : -

وقُلتُ لصَدَّاحِ الحمامِ وقد بكَى ... على القَصر إلفًا والدُّمُوع تجُودُ

ألا أيُّها الباكي على من تُحِبُّه ... كِلانَا مُعنًّى بالخلاءِ فريدُ

وهل أنت دانٍ من مُحبٍّ نأَى به ... عن الإلفِ سُلطَانٌ عليه شَديدُ؟

فصفَّق من ريشِ الجنَاحينِ واقعًا ... على القُرب حتى ما عليه مَزيدُ

وما زال يُبكينِي وأ ُبْكيِه جاهِدًا ... وللشَّوقِ من دُونِ الضُّلوعِ وقودُ

إلى أن بكى الجُدرانُ من طْولِ شَجْوِنا ... وأَجْهَشَ بابٌ جانِباهُ حديدُ

فقد تخيل الشاعر أن ذلك الحمام مما يحس ويجاذبه الأحزان فبسط معه حوارًا يائسًا على سبيل الاستعارة المكنية، إذ تجاوز عن ذكر المشبه به"الإنسان"إلى شيء من صفاته وهو الكلام، وذلك لكي ينبئ عن عمق الشعور بالحزن والألم الكامن في قلبه لإحساسه بالظلم عند استماع الخليفة لأقوال الواشين وسجنه على إثر تلك الوشاية الكاذبة. فوجد صدح الحمام أشبه بالبكاء، فطلب منه مواساته في الحزن، فهو شبيهه في معاناته للوحدة والفراق، وتكبد البعد عن الإلف، وإحساسه بالضعف وقلة الحيلة، فما يمنعه ويجبره سلطان عليه شديد، جعل من شوقه لمن يريد، والرجوع للعهد القديم، أمر مشكوك فيه، أفاد ذلك بالاستفهام في قوله [2] : -

وهل أنت دانٍ من مُحبٍّ نأَى به ... عن الإلفِ سُلطَانٌ عليه شَديدُ؟

(1) ديوان ابن شهيد، ص: 101.

(2) المرجع السابق، ص: 101.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت