الصفحة 72 من 232

يا مَنْزِلًا نَزَلَتْ به وبأَهْلِهِ ... طَيْرُ النَّوى فَتَغَيَّرُوا وتَنَكْرُوا

نظر الشاعر إلى قرطبة، فلم يجد فيها سوى أطلال نعيم زائل، وبقايا سعادة مريرة، فبكى ذكرى الرخاء، ومعنى الاستقرار فيها، فتوجه إليها بالنداء، نداء البعيد فقال:"يا جنة"على سبيل المجاز المرسل باعتبار ما كان، فقد كانت جنة ترفل بالجمال في زمن بعيد منقض، أتاها الخراب والدمار من كل مكان، ففرقت أهلها، وتشوه جمالها، إذ كان وقع تلك الخطوب والنوائب عليها شديدًا أشبه بعصف الرياح الهوجاء، وقد شخصها الشاعر في صورة حية إذ شبهها بالإنسان طوى ذكر المشبه به، وأتى بشيء من خصائصه وهو"النداء"على سبيل الاستعارة المكنية، وبالغ في المعنى فجسد ذلك البعد، والتفرق الذي أحدثته في أهلها في قوة وشدة لا تقاوم فكانت أشبه في ذلك بقوة الريح وعصفها، فاسند للنوى الريح على سبيل الاستعارة التصريحية، مما زاد من قيمة التعبير المعنوي عن الحزن الكامن في نفسه.

ولقرطبة في نفس ابن شهيد مشاعر خاصة، ومكانة متميزة، فلم يحزن لفرقى الدار، أو زوال النعيم، وفسحة العيش، إنما بكاها كما يبكي فقد عزيز، ضنَّ به على الموت، الذي انتزعه منه انتزاعًا، فشخصها في تلك الصورة الخيالية، عند ما استعار لدمارها وخرابها"الموت"وما يأتي به من غياب العزيز، وتنكب الحال، وسوء المآل ومعنى الحزن والألم العميق، وهو يجد ذلك حقا طبيعيًا لا يلام عليه، إذ كانت فيما سبق سبب نعيمه ومصدر أفراحه، وحياته الكريمة في زمن رخائها، واستقرارها، التي عبر عنها باستعارة"الحياة"لها، وما في معنى الحياة من الحيوية وصور السعادة، ووصف الجمال المبدع.

ولم يقنع الشاعر في تصوير قرطبة، أو بكائها عند هذا الحد بل تجاوزه إلى الماضي فوقف على أطلال تلك الحياة الرغدة الزائلة يتذكرها، فشبهها بمكة، فهي مكان الأمن والنصر للخائفين، ولا يغفل ابن شهيد جانبًا مؤثرا من صور التميز القرطبي، وهو أهل قرطبة فلهم ما لها من المكانة فما حلَّ بهم من مصائب الفراق يراه الشاعر أشبه بطير الشؤم عليهم فقد فرقهم وشتت الجمع الذي أحبه الشاعر في أهلها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت