الصفحة 71 من 232

بَطَلٌ إِذا خَطَبَ النُّفُوسَ إِلى الوَغى ... جَعَلَ الظُّبا تََحْتَ العَجاجِ صِداقَهَا [1]

فالممدوح يفرح بتلك الحرب، كما تفرح نفوس أعدائه بأن يكون هو قاتلها، وقد صف الشاعر تلك الفرحة، في أبلغ صورها، وأرقى معانيها، عند ما عبر عن رغبته وفرحته بقتل النفوس وكأنه يسعى لخطبتها، ويمهرها على سبيل الاستعارة المكنية، والمفارقة العجيبة أن تلك الخطبة لم تكن للحياة بل للموت، ولكي تكتمل صورة ذلك الفرح المنبعث من نشوة النصر والموت، رشح الاستعارة بتشبيه الظبا تحت غبار الحرب يقدمها للنفوس بصداق العروس.

فالصورة تأخذ من غرابة المعنى، وجدية الصياغة في غرض المدح بالشجاعة مأخذ متميزًا، بديعي، فهي مبنية على الرغبة في حصد النفوس والسعادة بذلك كالسعادة المتحققة من الخطبة، وأن مهر تلك السعادة هو التضحية بالنفس في القتال، فهي في كلتا الحالتين تمثل الطلب، والبذل رغبة ورهبة.

ولا شك أن هذا يمثل قدرة الشاعر على التأليف بين المتنافرات، ومنها تستمد الصورة قيمتها التأثيرية في السياق، فإن"المثير للدفين من الارتياح، والمتآلف للنافر من المسرة، والمؤلف لأطراف البهجة، أنك ترى بها الشيئين مثلين متباينين، ومؤتلفين مختلفين وترى الصورة الواحدة في السماء والأرض، وفي خلقة الإنسان وخلال الروض" [2] .

ومن قبيل هذا المستوى الرفيع في صياغة الاستعارة، أنها تأتي لتعبر عن مكنونات النفس من العواطف والانفعالات الثائرة، والحزينة، كقوله مثلًا في رثاء قرطبة [3] : -

يا جَنَّةً عَصفَتْ بها وبأَهْلِها ... رِيحُ النَّوى فتَدَمَّرتْ وتَدَمَّرُوا

آسَى علَيْكِ مِن المَماتِ وَحَقَّ لي ... إِذ لم نَزَلْ بكِ في حَياتِكِ نَفْخَرُ

كانَتْ عراصُك للمُيَمِّمِ مَكَّةً ... يأَوِي إلَيْها الخائِفُونَ فيُنْصَرُوا [4]

(1) الظبا من"الظبة"حد السيف والسنان، لسان العرب مادة ظبا، وجاءت هنا على سبيل المجاز المرسل فقد ذكر الجزء الحد وأراد الكل وهو السيف.

(2) أسرار البلاغة، ص: 130.

(3) ديوان ابن شهيد، ص: 110

(4) العراصة من عرص الدار أي ساحتها وهي البقعة الواسعة التي ليس فيها بناء. لسان العرب مادة عرص.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت