وتبلغ الاستعارة أوج قوتها، وبلاغتها القيمة، في ديوان ابن شهيد الأندلسي، وذلك في المعاني الشعرية المختلفة حيث تتصاعد الشكوى، وترتقي الانفعالات والعواطف النفسية المتألمة، فتكون في سياقها القدرة الفنية والتعبيرية على تصوير عمق تلك الأحاسيس، والمبالغة في عرض تلك المشاعر التي تحمل معنى الحزن العميق، والألم الثائر، أو الفخر والنشوة والمدح، وهي في تراكيبها تلك تمثل واقعًا شخصيًا وطبيعة ذاتية، يتميز بها فكر الشاعر وخياله، ونفسه، فلا يملك معها إلا الإفصاح عنها وتصويرها كما هي في صورتها القوية والمؤثرة في أسلوبه ومنهجه.
ويعمد ابن شهيد في صياغات الصور الاستعارية في شعره إلى التجديد والاختراع، غير أنه تجديد فني بآلات متوارثة، وتراكيب مستوحاة من مصادر الشعر العربي، فعناصره المكونة من"الحيوان، والإنسان، والجمادات، والطبيعة"لا تخرج في طبيعتها عن الإطار التقليدي الذي استند إليه الكثير من الشعراء في المشرق، والمغرب، وفي الأندلس خاصة، والتي تكتسي في بعض منها حلة خاصة، إذ تمتزج مع جمال الطبيعة فيها، وتستوحي صورها وأشكالها من واقع البيئة المغربية المختلفة عن الشرق، وهي عند أبي عامر منابع تحمل رافدين في شعره، فمنها يستقي معانيه، وصوره، وأفكاره، وفي وصف حياتها وتكوينها، وتصوير جمالها وإبداعها، يدلل على قدرته البلاغية، والشعرية، وبراعته في البيان، ودقة الوصف، فكانت استعاراته فنًا ذا غرض بياني، ووصفي، وإبداعي، وبلاغي، عند ابن شهيد في نظمه، وفي عرض جانب من جوانب فنية الأدب الأندلسي وجمال تعبيراته.
ومن ذلك التوافق والتمازج بين الشخصية الشهيدية، والطبيعة البيئية، والكونية حوله، والمواقف الانفعالية، والعقلية، المتنوعة، كان للاستعارة في شعره خصوصية تتباين فيها مستويات أدائها البلاغي والمعنوي.
فمن بديع الاستعارات، وأبلغها جمالًا بيانيًا في السياق، أن جمع الشاعر في تركيبها بين معنيين متناقضين،"كالفرح، والقتل"، وفي ذلك من الغرابة في الصورة ما تكون معه صورة متميزة، كقوله يمدح [1] : -
(1) ديوان ابن شهيد، ص: 137.