الصفحة 63 من 232

اللآهي، ونفسيته الساخرة، وذلك لا يتناسب مع موقف الحزن وغرض الرثاء الذي يثيره في القصيدة.

فالتشبيه القريب في البيت، والبعيد عن تصوير معنى الألم، والحزن، كان سببًا في ضعف الشعور بالرثاء، وبكاء الموت.

ومنه ما كان من قبيل التشبيه المرسل المجمل، كقوله يفخر [1] : -

ورُبَّ قَريضٍ كالجرِضِ بعثْتهُ ... إِلى خُطْبةٍ لا يُنْْكِرُ الجمْعُ فَضْلَهَا [2]

فهاهنا فخر بالبيان وفصاحة اللسان، إذ أراد القول أن قصائده مما يغص بها الخصوم ضعفًا عن معارضتها وانبهارًا بقوة أدائه، وبلاغته في القدرة الفائقة على نظمها، والتأثير بنصوصها على السامعين، فشبهها"بالجريض"وهو الريق الذي يغص به، فكما أنه يحبس النفس عن الجريان، كذلك شعره بين الورى فهو يُعجز الخصوم عن مجاراته في البيان، ويحبس قدراتهم عن مساجلته في النظم، فوجه الشبه هو حال من ضعف الهمة وانتفاء القدرة على المعارضة والمجاراة مع المحاولة واتخاذ الأسباب، وكان لذكر الأداة، والنص على الطرفين السبب في قرب التشبيه، ويسير تأثيره، وقيمته، إذ لا يحتاج إلى فضل تأمل، أو دقة في إدراك عمق الفخر العادي الذي نجده عند كثير من الشعراء.

أو المفصل كقوله يصف فرسه [3] : -

وكأَنَّني لمّا انْحَطَطْتُ به ... أَرْمي الفَلاة بكَوْكَب طَلْق

فكعادة الشاعر في الأدب العربي، فإن لوصف الفرس في نفسه مكانة وقيمة ورمزًا للفخر، وابن شهيد الذي صقل موهبته على موروث الأدب القديم، وعارض شعرائه، ونظم على سبيلهم، نراه يصف خيله بما درج عنهم من معانٍ، وأوصاف في عرض مظاهر القوة والإقدام، فشبه سرعته، وانقضاضه المندفع على الأعداء

(1) المرجع السابق، ص: 145.

(2) القريض الشعر، والجرض من جرض بريقه غصّ به، وابتلعه بالجهد على هم وحزن، المعجم الوجيز مادة قرض، جرض.

(3) ديوان ابن شهيد، ص: 135.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت