فهو يفخر بتفوقه على غيره من معاصريه فقد رفع الخليفة قدره وأعلى من مكانته بين قرنائه، فشبه نفسه بالصقر في العلو، والقوة، والتميز، وهو ينظر للمعاشر تحته على صغر حجمهم، ودنو منزلتهم فكانوا أشبه ببنات الماء، وقد أكد الشاعر الشبه هنا بذكر أداة التشبيه"كأن"، وهذه مما لا يتفق مع حال مدحه لإخوانه عند الخليفة، بينما يتفق مع نفسية ابن شهيد التي يجد نفسه فيها متميزًا عن غيره من قرنائه.
وذلك المعنى النفسي يؤكده البيت التالي، الذي يمدح فيه إخوانه عند الخليفة، فقد شبههم بنجوم السماء في الرفعة، والعلو، ونص على ذكر الطرفين، ووجه الشبه، مما أضعف الصورة في الخيال وأبعدها عن التأمل المثير للنفس، إضافة إلى أنه قد أسند سبب رفعتهم للخليفة فقال:"مما رفعتهم"وهو في سياق مدحهم، فكأنه بذلك سلبهم ما يمكن أن يتصفوا به من أوصاف تحوز لهم الرفعة.
ومنه أن يأتي التشبيه في سياق يضعف الصورة، ويسيء لقيمة المعنى، وأثره، كقوله من قصيدة يرثي بها أبا جعفر اللمائي [1] ... [2] : -
واللَّيْلُ قد قامَ في أَثْوابِ نادبِة ... كأَنَّهُ فَوْقَ ظَهْرِ الأَرْضِ نُوبيُّ
لقد أثر موت اللمائي في نفس الشاعر، فظهر حزنه باديًا على نظرته للطبيعة من حوله التي احتملت معه ذلك الأسى، فتخيل أن ظلام الليل لم يكن إلا صورة ذلك الحزن العميق، فشخص حلوله وسيطرته على الوجود باستعارة"القيام"له، ثم رشح الاستعارة بأن وصف ذلك القيام بأنه كان في أثواب النادبة، وهي صورة ترتقي في عرضها لإحساس الشاعر بالموت والحزن الذي يلف به الكون من حوله، لكنه يهبط بأسلوب الرثاء في الشطر الثاني من البيت عندما شبه سواد ذلك الليل بالنوبي، فهو تشبيه لا يصل إلى عمق الشعور بالحزن الذي أثار معانيه صورة الاستعارة المرشحة في الشطر الأول من البيت، كما يعكس في جانبه طبع ابن شهيد
(1) (*) أحمد بن أيوب أبو جعفر اللمائي إمام من أئمة الكتاب ومفجر ينبوعها، والظاهر على مصنوعها، ومطبوعها، إذا كتب نثر الدرر في المهارق، وانطوى ذكره على انتشار إحسانه، وقصر أمره مع امتداد لسانه، فلم تطل لدوحته فروع، عمل كاتبًا لدى الناصر لدين الله علي بن حمود، يُنظر الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة، ق1 م2، ص: 617.
(2) ديوان ابن شهيد، ص: 172.