الصفحة 60 من 232

متابعة ذلك التمثيل، مع أن المصابيح هي نفسها النجوم، أو استعارة لها نظرًا لقوله تعالى {: وَلَقَدْ زَيَّنَّا الْسَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ} [سورة الملك آية 5] ، وكان الصحيح أن يقول مثلًا كأن وجوههم وجوه مصابيح السماء الزواهر، وربما أراد كأن وجوههم وجوه النجوم الشبيهة بالمصابيح فيكون من إضافة المشبه به"المصابيح"للمشبه"النجوم"ثم جعل لها وجوهًا على سبيل الاستعارة، فهي كما سبق صور متداخلة ترهق الخيال في متابعتها. وهذه مسألة تعتمد على الذوق فرب ذوق يبهره ويعجبه تداخل الصور وكثافتها" [1] ."

وهذا المستوى من الأداء التشبيهي في صياغة الصور المعنوية يأتي في المرتبة الثانية من حيث الظهور في ديوان الشاعر، وكأن بلاغته، وقدرته الأدبية، ما هي إلا موهبة وطبع ركب فيه من الأصل تختلف إبداعاتها باختلاف المعاني، والأغراض، والأحوال النفسية، التي تطغى عليها الجودة والبراعة دومًا لتدلل على مكانته المرموقة في الوصف والتصوير.

وأقل مستويات الأداء البياني ظهورًا في صياغات التشبيه عند ابن شهيد، هي الأقل قيمة تأثيرية، وإبداعًا فنيًا، وجمالًا صياغيًا، وذلك بأن يحمل التشبيه صورة منفرة، ووصف تشمئز منه النفوس، من ذلك قوله يصف الطبيعة [2] : -

وتَكاوستْ فيها الأَبا ... رِقُ وهْي فاهِقةُ الحلاقِمْ [3]

وكأَنَّها أَظْبٍ رَعَفْ ... نَ ... فثُرْنَ دامِيَة َالخَياشِمْ [4]

فالأبيات من مقدمة، صدر بها الشاعر قصيدته التي مدح فيها المؤتمن، وفي تلك المقدمة، يتعرض لوصف الطبيعة وما فيها من مظاهر الخير والحياة بعد أن أصابها الغيث العميم، والمطر المنهمر.

أما الصورة هنا فهي تنفرد بوصف تلك السحب الكثيفة، وقد امتلأت بالمطر الكثير وانهمرت متوالية، متتابعة، فشبه هيئتها تلك بهيئة، الظبا التي رعفت

(1) من توجهات الدكتور المشرف.

(2) ديوان ابن شهيد، ص: 155.

(3) تكاوست أي تكثفت، وكثرت، فاهقة، أي امتلأ حتى صار يتصبب، لسان العرب مادة تكاوس، فهق.

(4) الأظب، جمع ظباء، ورعف فلان رعافًا ورُعافًا خرج الدم من أنفه، يُنظر المعجم الوجيز مادة أظب، رعف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت